شريط الاخبار
الرئيسية / اراء / أوروبا تتصدّع

أوروبا تتصدّع

د.موفق محادين

لوقت قريب، بدا وكأن موجة الانفصالات والكانتونات وحروب الهويّات المختلفة، شأن شرقي بحت، سواءً شرق أوروبا أو شرق المتوسّط، وانخرط العديد من الكتّاب الأوروبيين والأميركيين ومن مشايعيهم جنوباً، في مقاربة ذلك بدلالة المركزية الأوروبية الأميركية الرأسمالية، باعتبارها ظاهرة حضارية متجاوزة لهذه الموجة.

وكان تفكيك يوغوسلافيا، وقبلها الانهيار السوفياتي، ثم سيناريوهات تفكّك الشرق، تجارب للنقاش في خدمة هنتنغتون وفلاسفة وكتّاب المقاربة المذكورة.

بل أن الأدبيات السياسية الاشتراكية ذات النزعة المادية، لم تتردّد هي أيضاً في القول أن النزعات الانفصالية، والهويّات الأقوامية والإثنية تنتمي إلى عصر ما قبل الرأسمالية أو الرأسماليات المتخلّفة، ولا مكان لها في أميركا وأوروبا الغربية، حيث بوسع الاقتصاد الرأسمالي المتطوّر، دمج كل المكوّنات في دورته.

ولم يكن الصواب في جانب أي من هذه القراءات، كما برهنت الوقائع، ليس انطلاقاً من الظواهر والتجارب المُعاشة وحسب، بل وفق التصوّرات النظرية الغربية نفسها كذلك.

إن ما حدث في كتالونيا وربما في الباسك قريباً، وما هو مرشّح في العديد من الجزر البريطانية مثل اسكتلندا وفي المقاطعات الإيطالية الشمالية، وفي كندا (كويبك)، وما يقال عن نزعات مفاجئة في كاليفورنيا الأميركية، ليس غريباً ولا مفاجئاً، وقد يحوّل القارة العجوز إلى رجل مريض كما كانت عليه تركيا العثمانية قبل انهيارها لصالح أوروبا.

في ضوء الحيثيات والمُعطيات والتصوّرات النظرية التالية:

  • النزعة المتزايدة ضد ما يُسمّى ب السرديات الكبرى: الهويّات الجامعة لصالح الهويات الفرعية، الحزب لصالح الشبكاتية، الأيديولوجيا، التاريخ، الإنسان، وكان من أبرز تعبيرات هذه النزعة، التفكيكية وفيلسوفها دريدا.

ولعلّ السردية الكبرى الآفلة، هي سردية دولة الثورة الصناعية، أي الدولة الناجمة عن معاهدة وستفاليا 1648 ، ومنها دول أوروبا الغربية التي تأسّست على أنقاض الإمبراطورية الجرمانية ومرجعيتها البابوية، وها هي برسم التفكّك من جديد، إما على شكل انفصالات كاملة، أو فدراليات امبراطورية.

ولم تدخل دولة وستفاليا هذا النفق فجأة أو لأسباب سياسية بحتة كما يبدو من التوتّرات  والهويات الأقوامية، بل إن هذه التوتّرات والهويات كانت محصّلة لعصر ما بعد الثورة الصناعية، في بُعديه، التقني المعلوماتي، والمالي النقدي وانعكاسهما في شكلين جديدين للدولة في الشمال الرأسمالي: الأول دولة بريتون وودز، الاتفاقية التي أعقبت الحرب الثانية، وأسّست صندوق النقد والبنك الدوليين كإطار للاقتصاد الرأسمالي والأنظمة السياسية المرتبطة به.

الثاني: دولة إجماع واشنطن 1989، الذي قرّر فيه ممثلو البنوك والبورصة والمؤسّسات الأميركية المختلفة السيطرة على العالم من خلال التفريق بين الدولة المعاصرة، في نظرهم، وهي دولة الاقتصاد المفتوح وبين ما أسموه بالدولة الفاشلة، أي الدولة الحمائية والمهتمة بسياسات الرعاية الاجتماعية.

ويلاحظ في الحالين أن دولة الثورة الصناعية والخطاب القومي (دولة وستفاليا) خسرت وظيفتها كدولة مُحتكرة للمعلومات والإحصاءات وتحوّلت إلى دولة مُلحقة بالثورة المعلوماتية.

  • تبدّيات وتجلّيات العولمة في ما يُعرف ب العقل التكنولوجي الأداتي، حسب مدرسة فرانكفورت، وهو العقل الذي أطاح بالحداثة، والثورة الصناعية، ودولتها التقليدية.

وثمة ما يُقال هنا عن إقصاء الفكر كعمل من أجل الإنسان لازمَ الثورات المعرفية الأربع: كوبرنيكس في القرن الخامس عشر وكذلك كبلر وجاليليو الذين أكّدو عدم مركزية الأرض ومعها عدم مركزية الإنسان. وداروين في القرن التاسع عشر الذي ردّ الإنسان إلى تطور مشترك مع أسلاف آخرين، وفرويد الذي وضع اللاشعور مكان العقل عملياً، وأخيراً الثورة المعلوماتية.

  • على هذا الصعيد يُشار إلى ثلاثة مفكّرين هم الآلانات الثلاث:

الفرنسي، آلان تورين في كتابه ما بعد المجتمع الصناعي، والأميركيان: آلان تورينغ في كتابه الذكاء والحاسوب، 1945، وآلان توفلر في كتابه تحوّل السلطة.

فحسب توفلر، فإن الدولة المعاصرة، بما في ذلك الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية، دخلت في تناقض مع التحوّلات الكبرى التي طرأت عليها، وصارت هذه الدولة الناجمة عن الثورات البرجوازية، واتفاقية وستفاليا، مفارقة لهذه التحوّلات الجديدة وعالم ما بعد الدولة القومية.

ويشايع توفلر، الكاتب والدبلوماسي البريطاني، كان روس في كتابه الشبكاتي (ثورة بلا قيادات).

  • وبالمجمل، فإن حال ما بعد الثورة الرأسمالية الصناعية والتقنية، وما بعد الدولة وما بعد الحداثة ومجتمعها، تطلق أيضاً آليات التفكيك والهويات الإثنية. وبالمقابل، فإن حال ما قبل الثورة الصناعية، وما قبل الدولة والمجتمعات المندمجة، في الجنوب العالمي ومنه الشرق العربي، تطلق أشكالاً أخرى من التفكيك والهويات القاتلة..

وهنا وجه الاختلاف بين الأشكال الأولى في الشمال والأشكال الثانية جنوباً، فالظرف الموضوعي في الثانية شديد الصلة بالاستحقاقات المُبرمجة في دوائر وأقلام الاستخبارات الأطلسية، وسيناريوهات تقطيع أوصال الدول المركزية والشمولية، وتمزيقها إلى كانتونات ولا مركزيات طائفية وجهوية.

ولعلّ أبرز تجلّيات ذلك الحديث المتزايد عن اللامركزية والفدرلة، وتسويقه من قِبَل مثقّفي (المارينز) والثورات الملوّنة كتجسيد للحاجة الموضوعية للعولمة، ومن ذلك تسويغ البعض للاستفتاء الكردي الأخير ومقارنته باستفتاء كاتالونيا، كتعبير عن حق تقرير المصير القومي، كما تبنّاه الاشتراكي الكبير، لينين..

وها هنا، فإن القياس أكثر منه حالة صورية لا تراعي الشروط والسياقات الموضوعية، بل أداة مضلّلة يعرف المتورّطون فيها ماذا يقولون وماذا يقصدون.

إن العولمة الرأسمالية وهي تطلق النار على دولة الحداثة المركزية وتبعثرها، وتضعها أمام خيارين: الاستقلال التام أو الفدرلة، فإنها لا تفعل ذلك بالمستوى والخطاب والأدوات والغايات نفسها بين الشمال والجنوب.

فالتشظّي جنوباً ليس نتاج التحوّلات الكبرى كما في الشمال، بل حاجة (إسرائيلية) بالدرجة الأولى.

وفي سياق لعبة جديدة للخرائط والحدود والهويات، ترث سايكس بيكو ودولة البيروقراطية الشمولية، لصالح لامركزيات وفدراليات أو كونفدراليات في المحيط الإسرائيلي، محيط يهودية الدولة..