شريط الاخبار
الرئيسية / اراء / الأطلسي وتطويق روسيا.. مظلة مثقوبة

الأطلسي وتطويق روسيا.. مظلة مثقوبة

الوحدة الاخبارية..

لم يعد خافياً أن النزعة العدوانية الأميركية تزداد شراسة كل يوم مع تبلور أقطاب جديدة في العالم، ليس فقط في إطار مناهضة السياسة الإمبريالية الاستعمارية على المستوى السياسي، بل أيضاً في إطار بناء قوة رادعة في مواجهة التغوّل الأميركي غير المسبوق، مع إعلان تلك العدوانية بلا خجل، رغم تناقضها مع كل القوانين الدولية، بما فيها الأمم المتحدة. الإدارة الأميركية الجديدة تعمل على إطلاق وعود لدول جرّبت أصلاً الولايات المتحدة ولم تحصد سوى مزيد من الخيبة، لكنها باتت أسيرة “المساعدات الأميركية” التي تغرقها أيضاً في الديون والارتهان، وبالتالي تدفعها واشنطن كالبيادق على رقعة الصراع الدولي، ولا بأس إن كانت حطباً للنار التي تريد إشعالها الولايات المتحدة.

العدوانية الأميركية بأساليبها القديمة – الجديدة لم تعد تعطي النتائج المرجوّة سوى من الدول العقور، مثل دول الخليج، وعلى رأسها السعودية، التي تدفع الجزية صاغرة مستسلمة، بينما حلفاء واشنطن التاريخيون في أوروبا عموماً، والأعضاء في الحلف الأطلسي العدواني، باتوا يحاولون التجرؤ على التنفُّس دون إشارة خضراء من الإدارة الأميركية، سيما أن الإدارة الحالية لا تأخذ أدنى مصالحهم بعين الاعتبار، لا بل تدفعهم إلى مواجهات مع روسيا الصاعدة بقوة، وبالاستناد إلى مراكمة قوة عسكرية بأشكالها المتعددة؛ جواً وبحراً وتقنيات متطورة، مع إحداث نقلات نوعية في الغواصات والطائرات، وكذلك في المجال النووي، وهو ما عبّر العديد من الجنرالات الأميركيين وقادة الاستخبارات عن جزعهم منه، لا بل إن البعض يرى أن التقدُّم الروسي بات يسبق الولايات المتحدة بسنوات عشر، إذا بادر الأميركيون للتصنيع المماثل اليوم.

الدول الأوروبية الغربية طالما كانت تنقاد إلى الأهواء الأميركية بلا قيد أو شرط، لا بل اندفعت في العقوبات ضد الدول التي تعاديها واشنطن بلا تردد، وإن من دون قناعة، كما هو الحال مع روسيا وإيران على وجه التحديد، بذريعة الخطر الروسي والإيراني المزعوم، وإن كان لكل منهما خصوصيته في الصراع الذي تريده واشنطن تدميرياً.

من الواضح أن الاتحاد الأوروبي بدأ يستفيق على مصالحه، ولذلك يحاول أن تكون شخصيته لها استقلالية ما عن القبضة الأميركية المُحْكمة، لاسيما بعد أن أدّت العقوبات التي فرضتها دول الاتحاد على روسيا كانت نتائجها عكسية على الاتحاد، الذي مُني بخسائر أكبر مما كان مقدّراً بكثير، وما زاد الطين بلة أن إدارة الرئيس دونالد ترامب اندفعت إلى فرض رسوم لا يقدر عليها الأوربيون في إطار التبادل التجاري على الصلب والألمنيوم، ما دفع الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون للإعلان بلا تردد أن “القومية الاقتصادية تقود إلى حروب”، وهذه رسالة من العيار الثقيل على المستوى السياسي.

لكن الولايات المتحدة استشعرت الخطر من تبلور رؤية أوروبية غربية للخروج من حظيرة الراعي الأميركي، وعدم المواجهة التي تدفعها إليها واشنطن مع روسيا، فحصل الضغط التجاري، ما انعكس سلباً على سعر صرف اليورو، بموازاة استخدام الدول الأوروبية الشرقية التي كانت جزءاً من الاتحاد السوفياتي في رفع منسوب العدوانية على روسيا، من خلال التلويح بإعطاء أولوية لإنشاء قواعد عسكرية أميركية فيها، لاسيما أن بعض دول البلطيق باتت تسبح في الفضاء الأميركي الملوَّث، إضافة إلى أوكرانيا، وقد مهّدت واشنطن لتوسيع الطوق حول روسيا مع ابتزاز الأوروبيين الغربيين على لسان وزير الحرب جيمس ماتيس؛ باستعداد بلاده للتفاوض حول زيادة وجودها العسكري في بولندا، بما في ذلك العسكريون الأميركيون على أرضها.

هنا جاء دور بولندا؛ تلك الدولة التي حرّرها الجيش الأحمر من النازية الهتلرية في الحرب العالمية الثانية، وكانت مركز “حلف وارسو” المواجه للأطلسي بعد الانتصار على النازية، ليدعو رئيسها الولايات المتحدة إلى إنشاء قاعدة عسكرية على أرضها، ونشر فرقة عسكرية مع دبابات، مع تسليم العرض رسمياً للبنتاغون، وفي مضمونه أن “الجانب البولندي يمكن أن يسلّم أي جزء من البنية التحتية البولندية للجيش الأميركي”، واعتبار “الوجود العسكري الأميركي لا يضمن أمن البولنديين وحسب، بل يتوافق مع عقيدة الدفاع القومي الأميركية التي تعتبر روسيا بمنزلة التهديد الرئيسي للبلاد والعالم”.

من المعروف أن بولندا التي تطمح إلى دور أكبر في الإقليم، تتموضع فيها أصلاً، ومنذ سنوات، وحدات من حلف الأطلسي تحت ذريعة التصدي للخطر الروسي، لكن زيادة القوات بالشكل المنوّه عنه اعتبره الروس لا يهدد أمن روسيا، بل الاستقرار في أوروبا، سيما أن لديها وفي المخيخ البولندي ثأراً تاريخياً مع ألمانيا، التي تلعب الدور الأكبر في التمرُّد على العنجهية الأميركية.

لقد أعلن الكرملين أن التوسُّع الاميركي التدريجي، والاقتراب من الهيكلية للناتو باتجاه حدودنا، لا يخدم باي شكل الأمن والاستقرار في القارة، بل العكس، وهذه التصرفات التوسعية تقود بلا شك إلى تدابير مضادة من جانب روسيا لإعادة التوازن للتكافؤ الذي ينتهك تكراراً.

روسيا البوتينية يبدو أنها لا تنتظر الانقضاض الأميركي، وهي راكمت قوة جعلتها تعلن بثقة على لسان وزير الدفاع سيرغي شويغو أن نظام الدفاع الصاروخي الأميركي الذي يتم إنشاؤه في بولندا ورومانيا وألاسكا، ويخطّط لنشره في اليابان وكوريا الجنوبية، ما هو إلا “مظلة مثقوبة”.

يونس عودة