شريط الاخبار
الرئيسية / اراء / الاسباب الحقيقية وراء انهيار الليرة التركية

الاسباب الحقيقية وراء انهيار الليرة التركية

فهمي الكتوت

انهيار سعر صرف الليرة التركية امام العملات الأجنبية لم يكن مفاجئا للمهتمين بالشأن الاقتصادي التركي؛ لكن المفاجئة كانت بتراجع قيمتها بنسبة 20% بيوم واحد، وهي نسبة التراجع التي لحقت بالليرة التركية خلال عام 2015، وقد تناولت هذا الموضوع آنذاك بمقال تحت عنوان ” لهذه الأسباب تراجع حزب العدالة”، في إشارة للازمة الاقتصادية التركية وتراجع سعر صرف الليرة. لقد بقي الاقتصاد التركي على صفيح ساخن خلال السنوات الأخيرة، وتحول من اقتصاد جاذب الى اقتصاد طارد للاستثمار.
وللتدقيق في الأسباب الحقيقية لانهيار الليرة التركية، لا بد من الاحاطة ببعض خصائص تطور الاقتصاد التركي خلال العقد الأخير، وحالة الارتداد التي شهدها في السنوات الأخيرة. فمن المعروف أنه شهد نموا ملحوظا في عهد حزب العدالة والتنمية، كما شهد تدفقا واسعا للاستثمارات الأجنبية، خاصة بعد إصدار حزمة من القوانين والإجراءات الليبرالية التي سهلت تدفق رأس المال الأجنبي للأسواق التركية. وقد تعزز دوره الاقتصادي بعد الأزمة المالية والاقتصادية العالمية التي انفجرت في ايلول 2008، فقد شهد العالم هجرة رؤوس الأموال الغربية إلى الدول الصاعدة، استقبلت تركيا كغيرها من الدول الآسيوية الصين والهند وكوريا وماليزيا … رؤوس الأموال التي غادرت موطنها من المراكز الرأسمالية بحثا عن فرص للاستثمار في بلدان واعده تتمتع ببيئة استثمارية، وحالة من الاستقرار السياسي في ظل قوانين اقتصادية ليبرالية وفرت الحرية لحركة رأس المال والنشاط التجاري، وسياسة التخاصية التي نفذتها الحكومة التركية. حقق الاقتصاد التركي تطورا ملموسا خلال الفترة ما بين 2013 – 2009. وأسهم تدفق رأس المال بتطوير الاقتصاد التركي ورفع معدلات النمو الاقتصادي، واحتلت موقعها بين دول العشرين وكان ترتيبها 17 عالميا.
لم تسهم الاستثمارات الخارجية بخلق قفزة نوعية في الانتاج الحقيقي في تركيا وان معظم الاستثمارات ذهبت نحو الإنشاءات والعقارات والخدمات العامة وبشكل خاص في القطاع المصرفي، الذي كاد يتعرض للانهيار خلال الأسابيع الماضية لولا قيام بنوك أوروبية بضخ مليارات الدولارات في البنوك التركية خشية من تداعيات انهيار القطاع المصرفي الممول أوروبيا، فقد اقدمت الحكومة التركية على الاقتراض بالعملات الأجنبية بفائدة متواضعة، وإقراض المستثمرين الأتراك بالعملة المحلية بفائدة اعلى.
خلافا لما حققته الصين؛ مع ادراكنا بالفرق الشاسع بين تركيا والصين التي صعد نجمها في العقد الأخير، واستثمرت الظروف الدولية لخدمة اقتصادها، وأصبحت تمتلك اكبر اقتصاد في العالم، “معادلة تكلفة السلع تضع اميركا في المقدمة” وتحتفظ الان بكمياتٍ ضخمة من سندات الخزانة الأميركية، فالصين تعتبر الآن مصدراً، وليست مجرد متلقٍ لرأس المال، الصينيون يشترون حصصاً وأسهماً في الشركات الآسيوية والأميركية والأوروبية أيضاً، وتمتلك الصين احتياطات هائلة من العملات الأجنبية تُعد أكبر دائن لأميركا في مجال السندات. يقول الخبير الاقتصادي الأميركي نورييل روبيني إذا اضطرت الصين، وقرّرت التخلص من جزء كبير من سندات الخزانة الأميركية التي تستثمر فيها، سيشهد الاقتصاد الأميركي هزة عنيفة، يصعب التكهن بتبعاتها.
ان دخول تركيا على خط الازمة السورية ودعم الحركات الإسلامية في الأقطار العربية، وخاصة بعد وصول الحركة الإسلامية للسلطة في مصر ومراهنتها على وصولها في سوريا، اعتقدت ان لحظة اعلان الإمبراطورية العثمانية أصبح وشيكا، خاصة بعد ما فشلت في الحصول على عضوية الاتحاد الاوروبي، أدى تورطها بالازمات السورية والعراقية والكردية، وفشلها معالجة القضية الكردية تركيا، واستخدام قضية اللاجئين لابتزاز الدول الأوروبية الى خلط الأوراق وخلق إشكالات سياسية جديدة مع حلفائها، في حين نجحت الدبلوماسية الروسية المركبة – خشنة وناعمة – مستغلة تورط تركيا بإسقاط الطائرة الروسية وقتل الطيار، باستيعاب اردوغان المغرم بالسياسة البرغماتية. كما جاء الانقلاب العسكري وتداعياته من اعتقالات واسعة؛ ليكمل المشهد، وما تبعه من تغيير للنظام السياسي من نظام برلماني الى نظام رئاسي وما يعنيه ذلك من جمع صلاحيات واسعة بأيدي الرئيس من جهة والاعتقاد الذي ساد في العالم ان تركيا مقبلة على نظام فردي.
أسهمت السياسات التركية انفة الذكر بهروب الاستثمارات وتراجع النشاط السياحي، وانخفاض إيرادات تركيا من العملات الصعبة.
في ظل هذه المناخات السياسية والاقتصادية جاءت العقوبات الامريكية وهي جزء من سياسة ترامب بالعودة الى السياسة الاقتصادية الحمائية والتخلي عن السياسات التي رسمتها ونفذتها الاحتكارات الرأسمالية تاريخيا؛ بإزالة الحواجز الجمركية امام انسياب السلع، هذا السلاح الذي استخدم ضد البلدان النامية ارتد على أصحابه، وبات يشكل خطرا على الاقتصاد الأميركي خاصة والمراكز الرأسمالية عامة.
كما جاءت تدخلات اردوغان في السياسة النقدية قبل أيام من الانفجار المالي لمنع البنكً المركزي من رفع الفائدة الذي يعتبر الإجراء الروتيني الذي يُتخذ في البلدان الرأسمالية اثناء تعرض العملة للازمة، ما أسهم بالانهيار المريع لليرة التركية بيوم واحد، علما ان معدلات الفائدة مرتفعة جدا في تركيا وهي تصل الى نحو ١٥٪؜ ما يعكس ضعف الليرة التركية، اضافة الى ارتفاع معدلات التضخم التي وصلت الى نحو ١٦٪؜. وهو مرشح بالارتفاع بسبب انهيار الليرة ما يسهم بتعميق الازمة.
وفي الختام يمكن القول ان الاقتصاد التركي لم يخرج من أزمته بدون اثمان باهظة سيدفعها الشعب التركي، وهي جزء من الازمة البنيوية للنظام الرأسمالي، فقد عبر صندوق النقد الدولي عن رغبته بمساعدة تركيا، والشعب الأردني يدرك تماما ماذا يعني تدخل الصندوق.