شريط الاخبار
الرئيسية / اراء / الجيش العربي السوري.. العقيدة العسكرية التي لا تُقهَر

الجيش العربي السوري.. العقيدة العسكرية التي لا تُقهَر

محمّد لواتي

مَن يستطيع اللعب على الحافات يستطيع أن يصنع التاريخ في الظروف المُتآكلة وهذا ما قام به الجيش العربي السوري في مواجهة الإرهاب الدولي والاقليمي.

 لقد كان السيّد دو فيلبان وزير خارجية فرنسا السابق، واضحاً حين وصف الحرب على ليبيا بقوله “هذه الحرب تفتقر إلى إيّ هدفٍ ولم يتوافر لها أيّ شرط من شروط النجاح”، ووصف بعض الصحفيين الفرنسيين ألان جوبي وقتها بـ”وكالة الأنباء الحصرية لأخبار الثورات العربية خصوصاً في سوريا، كونه يستند إلى الفايسبوك في دعم  موقفه أمام وزراء خارجية الدول التي يتصل بها لإقناعها بتأييد مشروع القرار المُعدّ من فرنسا وأوروبا”.

كان هذا في بداية الحرب على سوريا، بل إن الأخطر من كل ذلك ما كتبته صحيفة لومانتي الفرنسية بشأن التدخّل الفرنسي في مالي: “إن تحرّك القوات الفرنسية والقوات الإفريقية التي تنضّم إليها لن يكون له معنى إلا إذا اقترن بالاستثمار بقوّة في تقاسمٍ جديدٍ للثروات في أفريقيا”، وهو نفس الاتجاه المُبرمَج فرنسياً وأميركياً ضد سوريا.

إذن، كل الأحداث التي عرفتها المنطقة العربية بتوصيفها المهني، هي أحداث ذات أهداف استعمارية والقائمون عليها دخلوها كالعميان، والدليل أن فرنسا التي زوّدت بعض الحركات المُتطرّقة في ليبيا هي الآن تحاربها في مالي بتلك الأسلحة، وأهداف الحرب المُخيفة خاصة في ما يتعلّق بليبيا وسوريا هي أبعد مما يُشار إليه وأقرب إلى التوصيف المُطلق لاستعمار تحت أجنحة جديدة أهمها جناح الإرهابيين. لكن، ولأن التدخّل جاء في ظرفٍ آخر ترفضه دول كبرى مثل روسيا والصين، جعل كل الأحلام تتبخّر، فقد أكّد نائب وزير خارجية الصين لوفد المعارضة السورية الذي زار الصين بالقول: “لن نسمح لهم بالعمل في سوريا كما فعلوا في ليبيا لقد كذبوا علينا وتعاملوا معنا بطريقةٍ غير محترمة وصبيانية في كل الاجتماعات التي عقدها الفرنسيون معنا ومع الروس قطع لنا ألان جوبية كل الوعود والالتزامات بعدم السماح لإسقاط النظام الليبي، لكنهم غدروا بنا ونحن لم نعد نصدّقهم ولن نسمح لهم باستغفالنا مرة أخرى”. وكان هذا الموقف الصريح والواضح من أشدّ المواقف الصينية سياسياً، وقد فهمت أميركا وقتها أنها لم تعد قادرة على اتّخاذ مجلس الأمن مطيّة لضرب الدول وخاصة سوريا، كما أنها أضحت غير قادرة على أيّ تدخّل ضدّ سوريا لأنها تعرف مدى الحرائق التي تصيب العالم من هذه الحرب ومدى تأثيرها على الاقتصاد العالمي.

حين يقول جون كيري وزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية إن “الأسد قادر على إحداث خرق سياسي في حل الأزمة السورية عبر الانخراط في عملية دبلوماسية”، فإنه عبّر عن رؤيةٍ جديدة تلغي ما كانت تدعو وتحارب من أجله أميركا وهو إسقاط الأسد، وهي النقطة الأساسية التي يتشبّث بها اليوم ما يُعرَف بالائتلاف الوطني السوري وبعض الحكّام الأعراب، وهذه النقطة قد سقطت كلياً بعد أن عرفت الولايات المتحدة الأميركية أن مطالبها ذهبت أدراج الرياح.

في نفس السياق قال  هيغ وزير خارجية بريطانيا السابق: “كلما طال الصراع في سوريا زادت محاور تشكيل جيل جيّد من المُتشدّدين الذين تدرّبوا على القتال في المعارك وسيمثل تهديدات لبريطانيا ودول أخرى في أوروبا”، وهذا الموقف هو مُناقِض لكل أطروحات بريطانيا السابقة التي مفادها إسقاط الرئيس السوري، بل أن بريطانيا حاربت سوريا بقوّة بواسطة أجهزتها الاستخبارية وجماعة الخوذ البيضاء، وساعدت الإرهابيين بالمال والسلاح وظلّت ترفض أيّ حوار سياسي مع النظام السوري ما لم يرحل بشّار الأسد، هذا التراجع قد لا يبدو لدى الكثير من مُتتبّعي الأحداث في سوريا تراجعاً نحو الخلف، غير أن الموقف نابع من صدمة أصابت الجميع هي أن بشّار الأسد ازداد صموداً بصمود الشعب والجيش فضلاً عن سقوط الكثير من الأوهام والأوراق التي ظلّ الغرب والقوى الاقليمية يتمسّكون بها، فضلاً عن الموقف الروسي بقوله “إن الضغط على روسيا وحلفائها أمر مرفوض”، خلافاً لما كان ينتظره التحالف العدواني، بيد أن قطر وبأسلوب لا يستند إلى أية رؤية سياسية محدّدة كانت تقول بلسان حمد بن جابر “روسيا في جيبنا”، ويشير بأصعبه إلى أسفل السروال كما يروي معارض سوري، يقول هذا بغباء وكأن روسيا ليست دولة أو أنها مجرّد مشيخة تسبح في الهواء وتمارس الرشوة بشكلٍ علني مثل حكّام الخليج، وهو ما دعا إلى رد السفير الروسي عليه في مجلس الأمن بقوله إن “روسيا حين كانت سفنها تجوب البحار لم تكن قطر موجودة أصلاً، بل إنه ذهب إلى أكثر من ذلك حين هدّد قطر بإزالتها من الخريطة”. لقد ظلّ حمد بن جابر يستعجل مشروع قرار من مجلس الأمن تحت الفصل السابع للتدخّل في سوريا، وكان في كل ذلك بمثل طفل داخل معلب للكبار ويريد أن يثبت أنه بلغ سن الرشد عبر الصراخ والصياح قصد الوصول إلى الهدف بسرعة من دون أية دراسة للموقف، لكن هذا كله ذهب أدراج الرياح  ولم يبق منه سوى أثره السيّئ المحفوظ في رفوف التاريخ. حتى أن بريطانيا ردّت ضمنياً على موقف قطر بتسليم سفارة سوريا فيها إلى مجرمي الائتلاف اللا وطني السوري بقولها إنها “لن تسلّم السفارة السورية للمعارضة”، والموقف القطري منذ البداية ظلّ يتأرجح بين حقيقتين، الأولى مجموعة من الأوهام مغلّفة بالتبديد اللا محدود للمال العام، والثانية طرحه مجموعة الافتراضات الخاطئة بتحويل قطر من دولة لا تستند في تأسيسها إلى أيّ ملحق من ملاحق القانون الدولي فضلاً عن القانون نفسه.

ليس هناك من زلزال سياسي في الحروب الكونية مثل الزلزال الذي أحدثته سوريا وهي تواجه حرباً كونية لم يسبق لها مثيل في التاريخ البشري، زلزال وصل إلى الفاتيكان وأعلن البابا فيه استقالته وهو ما لم يحدث منذ أكثر من سبعة قرون، وبالتأكيد فإن الزيارة التي قام بها منتصف الأزمة (2013) الراعي إلى سوريا وتنصيب اليازجي على كنيسة الروم الكاثوليك فيها لم تكن مجرّدة من إيحاء البابا إن لم تكن بأمر منه مباشرة، وقد تعرّض بعدها لضغوط خاصة رغم أن مقر الفياتكان تتصارع فيه أجنحة الاستخبارات قصد التحكّم في مساره، وقد وضّح هذا صاحب كتاب أسرار الفاتيكان. لم تكن إذن الحرب على سوريا رفضاً لمبدأ التوافق على المصالح بين أطراف إقليمية ودولية، بل إنها جاءت بناء على رؤية أميركية إسرائيلية لأنهما يبدوان في منظور ما بعد الحرب سيكونان خارج اللعبة في الشرق الأوسط، وبالتالي سقوط مفهوم نظرية الردع الإسرائيلي كليّة أمام حزب الله “إن لم يتم إسقاط الأسد ومعه محور المقاومة”. كان الصعود الروسي غير متوقّع ومعه الصيني الذي ينظر إليه الغرب على أنه يمثّل النمل الآسيوي بكامله أيضاً، وبالتالي السقوط المروّع للفضاء الاستراتيجي الأميركي وبالتالي أيضاً الانهيار الكلّي لدولة إسرائيل. في هذا الصَدَد طلب أحد المفكّرين الإسرائيليين من دولته التوجّه إلى الصين قصد طلب حمايتها مستقبلاً، لأن أميركا باتجاه السقوط من على الساحة الدولية. لم تكن أيضاً إيران العملاق السياسي العسكري مجرّد حال استثنائية في الموقف الدولي، بل هي ضمن جدار الواقع كقوّة اقليمية، لكن في مساحة أوسع وقد صارت القوّة العسكرية الأولى في الخليج، ولطالما ظلّت أميركا تُرهِب دول الخليج وبعض الدول الأخرى في المنطقة بها لابتزازها مالياً. حتى أن قائد الأركان الإيراني وصف تلك القوّة العسكرية الأميركية في مياه الخليج بأنها مجرّد خردة، لقد تألّمت أميركا من صراعها مع إيران كما تألّمت أشدّ الألم وهي تواجه سوريا بصمود جيشها وشعبها، صمود لم يكن متوقّعاً حتى لدى الدوائر المغلقة المتخصّصة ، وهو ما اعترف به اليوم الغرب كله وقد كذبت كل تنبآته من أجهزة المخابرات  إلى مراكز البحث والدراسات.