شريط الاخبار
الرئيسية / اراء / السيّد

السيّد

د.رفعت سيد احمد

في أجواء الاحتفال بالعيد الثاني عشر لانتصار تموز 2006، وقد تبدّلت سياسات ومواقف واختفت جماعات وقادة وهبّ ربيع سام اقتلع الأخضر واليابس وزلزلت العقائد والأفكار والأشخاص. في هذه الأجواء بقي وحده، ثابتاً صامِداً مُمسِكاً بالجمر قابضاً على نار الصمود في وجه عدوّين تليدين مُتحالفين؛ الإرهاب الداعشي والإرهاب الصهيوني. إنه السيّد حسن نصرالله، ربما كلامنا عنه، لصداقتنا ومحبّتنا له، لن يزيد من قيمته ومنزلته التي حفظها له التاريخ رغماً عن أنوف كثيرة بعضها عربي وأغلبها غربي؛ ولكنها الشهادة التي سيُحاسبنا الله عنها إن لم نقلها، خاصة والرجل، يتكالب اليوم على تشويه صورته وانتصاراته الدائمة كثير من الخَدَم والخَوَنة، إذن ليس أقل من نذكر ونشهد خاصة عندما يتعلّق الأمر بانتصارٍ تاريخي مثل انتصار تموز/يوليو 2006 والذي أسماه السيّد وقتها – ومعه الحق – بالنصر الإلهي .. ولنتذكّر ونذكر.

 أولاً: نتذكّر أنه قبل بدء (إسرائيل) لحرب تموز 2006 بشهرٍ واحدٍ أصدرت من القاهرة كتاباً عن السيّد حسن نصرالله يحمل عنوان “ثائر من الجنوب”. وقتها صدّرت الكتاب بنصٍ أراه اليوم وبعد تكاثر الأعداء على حزب الله إثر انتصاراته المُلفتة وتضحياته الكبيرة في سوريا، مُلائماً للحال، قلت فيه نصاً: عندما تتعرّض أمّة لغُزاةٍ متوحّشين، وتُتّهم مقاومتها، بأنها إرهاب، ويُنعَت دينها بأنه دين عُنف، وتُنتَهك مقدّساتها وتُحتَل أرضها؛ عندئذ لابدّ من أن يبزغ من بين ظهرانيها ثائر، وثائرنا جاء من الجنوب الإنساني، الجنوب الإسلامي والعربي، جاء في مواجهة غُزاة الشمال “الأوروبي – الأميركي – الإسرائيلي”، وهو ثائر مُعمّم، تحمل ثورته عَبَق التاريخ، وروح الحسين مُخضَّباً في دمه، في كربلاء، ولأن كربلاء لاتزال حاضرة فينا وفي عالمنا المعاصر. كان لا بد وأن يأتي السيّد حسن نصر الله، الثائر المُعمّم لتلتقى الثورة بالعمامة مُجدّداً، مُعلنة عن بدء عصر جديد من العزّة والكرامة والانتصار، انتصار لا يقبل الدونيّة في الدين، ولا في الدنيا، إنه كتاب (أقصد كتابي وقتها عنه) يلتقى فيه مُجدّداً “الحسين” بـ “الحسن” في ثورة مُعّمَّمة آتية أيضاً من الجنوب : ألم تكن كربلاء في الجنوب ؟!

ثانياً:  تعود معرفة كاتب هذه السطور بالسيّد حسن نصر الله إلى صيف العام 1992 حين كنت في زيارة صحفية وأكاديمية لبيروت، وكان لا زال جديداً على موقع الأمين العام لحزب الله خلفاً للشهيد السيّد عباس الموسوي وكان إبن (البازورية- إحدى قرى قضاء صور في لبنان) صغيراً في العُمر، كان لا يتجاوز الـ 31 عاماً، ورغم صغر سنه قياساً بقادة الحركات والتنظيمات السياسية في بلادنا، ورغم قصر الفترة التي تولّى فيها الأمانة العامة للحزب وقتها (بضعة أشهر) فإن ما لفت ناظري إليه، كانت تلك الابتسامة الحيّة والنظرة الواثِقة، المُنتصِرة، وذلك الذكاء والوعي لما يجري حوله؛ في لبنان والعالم؛ وتلك الرؤية الثاقبة للأحداث والقدرة على إدارتها والتحكّم فيها. وسألت نفسي وقتها من أين يستمد هذا الرجل كل ذلك؟ ومرَّت الأيام وازدادت علاقتي توثّقاً بالرجل، ومع تناميها، بدأت تتّضح ملامح الصورة والإجابة، ومع انخراط حزب الله أكثر في الحياة السياسية اللبنانية بدءاً من أوائل التسعينيات مع مجيء السيد، في موازاة إطراد وتيرة عملياته النوعية ضد الاحتلال وجيش لحد، إلى أن تحقّق النصر الأول في أيار/مايو من العام 2000 ثم النصر الإلهي الثاني والأهم في حرب تموز/يوليو 2006، بدأت تتكشّف أمام أنظاري، وأنظار كل من عرف السيّد، مصادر تلك الطاقة المعنوية والسياسية والجهادية التي تُميِّز أداء وروح وحياة نصر الله.

لقد تأكّد لمُحبيه – ومن قبلهم أعداؤه – أن هذا الرجل، جاء بالضبط على موعدٍ مع القَدَر، جاء في زمنٍ يحتاج إلى رجالٍ إلى سادةٍ في الحق، والإيمان، والمقاومة، وليس إلى عبيدٍ أذلاّء في خدمة شياطين الأرض، وكان موعده مع القدر مُتلازماً مع امتلاكه فقه الانتصار الذي كانت تحتاجه تلك اللحظة الحَرِجة في تاريخ أمّته ووطنه، وهو فقه احتل الثقة في نصر الله صدارة سلّمه القِيَمي، مع صلابة التمسّك بالجهاد وسيلة وغاية، والوعي بالمُتغيّرات الإقليمية والعالمية وتوظيفها لمصلحة خياره الاستراتيجي: خيار المقاومة، وعفّة الخطاب وتواضع السلوك، ودماثة الخُلق، مع الاستحضار الدائم لتاريخ الاستشهاد الحُسيني في كل فعله ومسلكه وتنشئته لأولاده تُمثّل جميعاً القِيَم العالية التي أكسبته، تلك الابتسامة الحيّة والنظرة الواثقة والحزينة، الحُسينية/المؤمنة، وذلك الحضور الطاغي، حين يتحدّث أو يتكلّم، في جمهورٍ أو حتى وسط قلّة من محبيه ومعارفه.

بإمكاننا أن نزعم اليوم أن رحلة المقاومة (1982 –2018) قد أكسبت السيد نصر الله  ذلك التفرّد في بلده، وخارجه، وكان هذا مصداقاً لقوله تعالى “والذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين”؛ فالسيّد الذي كان أحد أركان الجماعة الصغيرة التي أسّست حزب الله في أوائل الثمانينيات، كان أيضاً قائداً ميدانياً للمقاومة طيلة الثمانينيات، إلى أن تولّى موقع الأمين العام، فازدادت صلته بالمقاومة توثّقاً على المستويات كافة؛ الميدانية والسياسية، وقادها، ومعها أمّته ولبنانه، من انتصارٍ إلى انتصار، وكان مثالاً يُحتذَى في حكمة القيادة وحصافة الزعامة، إلإ أن جاءت الحرب الأخيرة، حرب تموز 2006 والتي يُحيي لبنان الذكرى الثانية عشر  لانتصاره فيها هذه الأيام، لتزيد ترسيخ تلك الصفات الفذّة التي ميّزت شخصيّة السيّد حسن نصر الله، وأعطتها فرادتها.

ثالثاً: أما عن أهم الدروس الباقية من حرب تموز 2006 حتى حروب داعش والربيع العربي الزائف 2018 ، فيمكن إيجازها في الآتي:

1- لعلّ أول دروس هذه الحرب العدوانية ، أنها لم تكن حرباً من أجل جنديين أُسِرا للعدو الصهيونى  كما زعم العدو وكما روّجت الصحافة الأميركية وبعض الصحافة العربية، ولكنها كانت حرباً من أجل ولادة الشرق الأوسط الأميركي الجديد، وأفشله حزب صغير عدداً – كبير قيمة ودوراً – مثل حزب الله.

2- الدرس الثاني لهذه الحرب العدوانية، أن الحال الرسمي العربي تجاه قضايا الأمّة، وحقوقها  كان في أسوأ أوضاعه، كان منبطحاً إلى أقصى درجة، وهو دائماً سيكون كذلك عندما يتعلّق الأمر بـ (إسرائيل) فلا داعي لبناء الأوهام مستقيلاً.

3- كشفت الحرب عن درس عسكرى بليغ، وهو أن حرب العصابات، أو حرب المقاومة الشعبية، التي تتسلّح بعقيدة قتالية وإيمانية صادقة، بإمكانها أن تهزم أقوى قوّة عسكرية في المنطقة ، قوّة تُرعِب حكومات وأنظمة بمجرّد ذِكرها.

4- أما أهم  الدروس الكبرى لهذه الحرب فإنها دشّنت السيد نصر الله كأهم وأنبل شخصية عربية، وقتذاك. ونحسب أنه لايزال كذلك، رغم محاولات التشويه الكبيرة له خاصة بعد انحيازه – وقد ثبت أنه انحياز صحيح وانحياز للحق – ضد المؤامرة الدولية على سوريا واليمن، لايزال رغم ذلك يحتل الرجل مكانة عالية من التقدير والاحترام، نعم قد تكون هناك أخطاء وخاصة من رجال الصف الثاني  أو من بعض الجمهور العادي للمقاومة، إلإ أن الصحيح والحقيقي أننا أمام واحدة من أنبل ظواهر المقاومات الإنسانية، وهي تستحق ليس فحسب التهنئة بعيد انتصارها الثاني عشر؛ بل وتستحق أن تُدرس منذ انطلقت عام 1982 من بضع شباب مؤمن بربّه ووطنه، إلى اليوم 2018 حين أضحت الرقم الصعب في معادلات الصراع ضد قوى الهيمنة والإرهاب في بلادنا.