شريط الاخبار
الرئيسية / اراء / ترامب الذي يُخلّص أوروبا من أوهامها!

ترامب الذي يُخلّص أوروبا من أوهامها!

د.حياة عطية الحويك

هي صفقة القرن، ولكنها لا تقتصر على تلك المتعلّقة بفلسطين. ثلاثة عناوين تتحوّل إلى بنود صراع: التوازن العالمي والاقليمي، المصالح الاقتصادية وفلسطين.

 هي الحرب وليس تلك التي يتخوّف البعض من اندلاعها بالمعنى العسكري المباشر الشامل. صحيح أن بريجنسكي قد نظّر قبل عقود إلى أن الصراع الحالي الذي تنبأ به لن ينتهي إلا بحرب شاملة، ولكن واقع الأمر يقول إن الحرب هي فعلاً قائمة بكل شراستها وأبعادها، وأن الأطراف الدولية الفاعِلة تحقّق فيها أرباحاً كانت تحلم بها ولكنّها لم تصدق تحقّقها.

الأميركي ذهب إلى الاتفاق النووي مع إيران متوقعاً حصول “انقلاب جيوبوليتيكي”، وعندما لم يحصل انقلب على الاتفاق. هكذا يقول الباحث جان سيلفستر من مؤسسة توماس مور، الذي يمضي إلى تفسير الأمر: “بدلاً من ديمقراطية إسلامية مخفّفة ومُندرِجة في إطار العولمة، فإننا نرى جبهة روسية – شيعية تخترق الشرق الأوسط”. إذن ليست القضية قضية أوباما وترامب. بل قضية خلخلة التوازن الدولي في منطقة الشرق الأوسط. هنا حيث الطاقة وإسرائيل. أما العولمة فإن ترامب نفسه يتخلّى عنها لصالح حمائية تنقذ اقتصاده. في حين تدافع عنها الصين التي باتت بحاجة إلى السوق العالمي لاستيعاب بضائعها. من هنا فإن المقصود هو الاندراج في العولمة كما كانت سنة الـ 90: أميركية وحسب.

في هذه العولمة لا مكان لشركاء وإنما لأتباع. هكذا فهم فرانسوا ميتران عام 1991 فقرّر الالتحاق بالقطار، فاستقال وزير دفاعه احتجاجاً على ما أسماه “الارتماء في ذي التنوّرة الأميركية”. احتجاج تبنّاه جاك شيراك وغيرها رد شرودر وفلاديمير بوتين. عام 2003 وقفت ميشال أليوت ماري في اجتماع الأطلسي تدقّ الطاولة: “نحن حلفاء لا أتباع”. لكن احتلال العراق حصل، شيراك دفع الثمن وحاول التكفير عن ذنبه بالقرار 1958. من دون جدوى، ولولا الألزهايمر لانتهى في السجن. كانت آخر هزائمه أمام ساركوزي، الذي أعاد فرنسا إلى الأطلسي. شرودر خسر الانتخابات لصالح مستشارة مدعومة من الأطلسي، وحده بوتين تجاوز الرهان.

اليوم يصحو الأوروبيون على ما كان يعيه تماماً ديغول وأديناور، لن تنسى واشنطن أنه لولا إنزال النورماندي لما تحرّرت باريس ولولا مشاركتها في الحرب لما هُزِمَ هتلر. ولن تتخلّى عن قناعة رامسفيلد  بأن أوروبا مجرّد قارّة عجوز. هكذا جاء ترامب يكمل ما فعله بوش وريغن من قبله: لا اتفاق مناخياً، عليكم أن تدفعوا أكثر في ميزانية الأطلسي، لا استفراد بالاستثمارات مع إيران. ولا أهمية للأخلاقيات والميثاقية في قاموس مافيات السوق.

دونالد تاسك رئيس المجلس الأوروبي يقول قبل أيام: “إذا ما نظرنا إلى القرارات الأخيرة التي اتّخذها دونالد ترامب، يمكننا أن نقول إنه مع حلفاء كهذا ليست أوروبا بحاجة إلى أعداء. ولكن في الحقيقة علينا أن نشكره لأنه خلّصنا من أوهامنا”. من يعرف أوروبا جيداً، يعرف أن هذه الأوهام لم تكن إلا في ذهن اللوبي الأطلسي – الصهيوني، وأن قطاعاً كبيراً من الرأي العام والأنتلجنسيا كان يناضل لفضحها، لكن حملات القمع والتشويه والضغط كانت تمارس ضده. خاصة وأن اللوبي المذكور يسيطر على لوبيهات المال والإعلام.

في عام 2015 غرّمت الولايات المتحدة بنك BNP تسعة مليارات دولار لأنه خرق العقوبات ضد إيران، السودان، وكوبا. واليوم نرى توتال، رمز الاقتصاد الفرنسي، مضطرة لسحب استثماراتها من إيران خلال الخريف القادم، خاصة مشروعها العملاق لاستخراج الغاز من حقل جنوب فارس. بعد أن كانت قد تمتعت بموقع المستثمر النفطي الأكبر في إيران إلى جانب الشركة الصينية  CNPC. إضافة إلى توتال، ستين مستثمراً فرنسياً اجتمعوا يندبون في وزارة المالية في برسي، من دون جدوى.

الآخرون ليسوا أفضل حالاً: ميركل مهدّدة بيمينها غير مستعدّة لمواجهة أميركا، إيطاليا الاقتصاد الثالث في اليورو حائرة في موقفها، إسبانيا غارقة في مشاكلها والانفصالية الكاتالونية.

ثمة حل قانوني يتمثل في ثلاث: لجنة جينكر، أي إعادة إحياء قانون 1996 الذي يضع البنوك والشركات الأوروبية خارج العقوبات الأجنبية، دفع واردات النفط باليورو ما يضرب أحادية الدولار واعتماد التبادل بواسطة البنك الأوروبي للاستثمار والتمويل، ما يجعل واشنطن مضطرة لأن تعاقب الدول الـ 28 معاً. لكن هذا الحل القانوني مستحيل لسببين: الأول إنه مرتبط بقرار سياسي شلّته التبعية الأميركية، والثاني عجز الشركات الكبرى عن مواجهة العقوبات الأميركية.

وحدهم البريطانيون قادرون على مواجهة واشنطن، خاصة بعد البريكسيت. وربما كانوا الوحيدين الذين تعاملهم واشنطن كحلفاء.

في كل ذلك واشنطن تراهن على الحفاظ على تراتبيّة الصف وعلى خنق إيران، لتأتي بها إلى بيت الطاعة الأميركي. وليكن الطلاق مع الآخرين. وإيران تحاول النفاذ باتجاه آسيا.

بيت الطاعة هذا اقتصادي بامتياز: بوينغ بدلاً من إيرباص مثالاً. وواشنطن بدلاً من آسيا وأوروبا وروسيا الممتدة بين الإثنتين. وأخيراً وليس آخراً: إنهاء الموضوع الفلسطيني – السوري – اللبناني.

بما يفسّر الارتباط العضوي بين القرارت الثلاثة: نقل السفارة، الانسحاب من النووي وإعادة اتّهام حزب الله بالإرهاب. وما يفّسر أيضاً عجز إيران وجودياً عن الاستجابة للمطلب الأميركي.

أما روسيا، وقد حقّقت حلمها التاريخي بالوصول إلى المياه الدافئة، وحقّقت عودتها كقُطب دولي انطلاقاً من الساحة السورية، فإن ما تريده الآن هو الاستقرار والشراكة. الاستقرار تجنّباً للمزيد من الانخراط في العمليات العسكرية، الاستقرار للاستثمار في مكتشفات الغاز السوري وسائر شاطىء المتوسّط، الاستقرار للخوض في استثمارات إعادة الإعمار في سوريا أساساً، وفي سواها لاحقاً.

استقرار لن تسحبه فقط من خلال سياساتها على الساحة السورية وإنما أيضاً عبر توازنات. توازنات ترجمت اقليمياً بثنائية تركية – إيرانية ولكنها قد لا تستثني الإسرائيلي. ألم يتم التراجع عن تسليم أس 300 لسوريا بعد زيارة نتنياهو؟ ولا تستثني دستوراً جديداً قد يذهب إلى الفدرالية أو المّحاصصة. ولا تستثني السكوت عن بقاء الاحتلالات: التركي والأميركي والإسرائيلي.. توازنات تُترجَم إقليمياً ودولياً بما عبّرت عنه الباحِثة آنا سوبونينا في برنامج لعبة الأمم: ” لا صولو بل أوركسترا”.