شريط الاخبار
الرئيسية / اراء / جوليا بطرس.. حللتِ أهلاً ووطئتِ سهلاً

جوليا بطرس.. حللتِ أهلاً ووطئتِ سهلاً

سعود قبيلات

عددٌ غير قليل مِنْ مؤيّدي ما يُسمَّونه «الثورة السوريّة»، التي انكشفتْ حقيقتها البشعة وكانت آخر وقائعها مسرحيّة جماعة «الخوَذ البيضاء» الذين هرَّبهم نتنياهو وليبرمان إلى الأردن – شنّوا، خلال اليومين الماضيين، هجماتٍ ظالمة مكثّفة ضدّ الفنّانة الملتزمة المبدعة جوليا بطرس، بمناسبة احيائها حفلةً في عمّان حظيت بحضورٍ باهرٍ أمس؛ لا لشيء سوى أنّها لا تزال تؤيّد المقاومة اللبنانيّة الممثّلة حاليّاً بـ«حزب الله» ولا تزال تؤيّد سوريا.

أيّدت جوليا بطرس، في بداية حياتها الفنّيّة، «جبهة المقاومة الوطنيّة اللبنانيّة» (جمول)، المكوّنة مِن «الحزب الشيوعيّ اللبنانيّ» و«الحزب الاجتماعيّ القوميّ السوريّ» اللذين قاوما الاحتلال الإسرائيليّ للبنان إلى أنْ صاح صائح الاحتلال صيحته المذعورة الشهيرة: «يا أهل بيروت.. إنّنا منسحبون، فلا تطلقوا النار علينا».

انسحب الاحتلال مِنْ معظم المناطق اللبنانيّة، بفضل تضحيات المقاومين البواسل الذين خلّدت جوليا بطرس تضحياتهم. ومنهم: الشهيدان لولا نور الدين وجمال ساطي (من الحزب الشيوعيّ اللبنانيّ) والشهيدان وجدي الصايغ وسناء محيدلي (من الحزب القوميّ الاجتماعيّ السوريّ)، مِنْ ضمن شهداء آخرين كُثر من الحزبين.

كانت إسرائيل، عند احتلالها بيروت، قد رتّبت أمورها مِنْ أجل ديمومة نفوذها وهيمنتها على لبنان إلى أمدٍ طويل. وفي هذا السياق، قامت بجلب النوّاب اللبنانيين بوساطة دبّاباتها مِنْ مختلف بقاع أرض الأرز لانتخاب عميلها بشير الجميِّل رئيساً للبنان، ثمّ فعلت الشيء نفسه مِنْ أجل فرض اتّفاق 17 أيّار المذلّ على لبنان.

لكنّ المقاومين البواسل، الذين تغنّت بهم جوليا بطرس وأنصفتهم، لم يسمحوا لبشير (عميل إسرائيل) بالاستمرار في الحكم أكثر مِنْ شهر، ولم يسمحوا لقوّات الأطلسيّ، ولا للقوّات الأميركيّة، التي استباحت بيروت، بالاستمرار في الوجود فيها مدّةً أطول مِنْ تلك التي أُتيحت للاحتلال الإسرائيليّ. وبالنتيجة، سقطت اتّفاقيّة 17 أيّار بالسرعة نفسها.

وكلّ ذلك تمّ بدعمٍ مِنْ سوريا، وليس بدعمٍ من السعوديّة وقطر وسواهما من الدول (والتنظيمات) التي أصبحت في زمن «الربيع العربيّ».. ربيع «برنار هنري ليفي»، تُعدُّ – زوراً وبهتاناً – راعيةً ومساندةً لـ«الثورات»!

وعندما انحصر وجود الاحتلال الإسرائيليّ في جنوب لبنان، وهي المنطقة التي توجد فيها القاعدة الاجتماعيّة لحزب الله، تحوّل طرفا «جمّول» لمساندة الحزب في مقاومته للاحتلال الإسرائيليّ، وتحوّلت جوليا بطرس للتغنّي بمقاومة «حزب الله»، كما تغنّت بمقاومة «جمول». وعند اندحار الاحتلال الإسرائيليّ مِنْ جنوب لبنان في العام 2000، خطب أمين عامّ حزب الله، السيّد حسن نصر الله، وذكر فضل المقاومين الأوائل مِنْ جماعة «جمول»، بالإضافة إلى فضل المقاومين مِنْ حزبه.

والآن، كلّ ذنب جوليا بطرس، لدى جماعة «الثورة السوريّة»، هو أنّها لا تزال ثابتة على موقفها المبدئيّ نفسه في دعم «حزب الله» وسوريا وكلّ مَنْ يقاومون الاحتلال الإسرائيليّ؟

وبالمناسبة، هذا الموقف العدائيّ نفسه، وللأسباب نفسها، سبق لأنصار «الثورة السوريّة» أن اتّخذوه ضدّ فيروز وزياد الرحبانيّ وآخرين!

حزب الله لا يزال يعتبر إسرائيل عدوّه الأوّل، ولا تزال إسرائيل تعتبره عدوّها الأوّل، وقد خاض الحزب الحرب في سوريا، بعد سنتين من اندلاعها ومشاركة مسلّحين مِنْ أكثر مِنْ ثمانين دولة فيها، مِنْ أجل حماية ظهره وضمان الشروط الملائمة له للاستمرار في مقاومة إسرائيل. كما أنَّ سوريا لا تزال حتّى هذه اللحظة هي الدولة الوحيدة مِنْ الدول المحاذية لفلسطين المحتلّة التي لم تستسلم ولم توقّع اتّفاقيّة مذلّةً مع العدوّ، مثل كامب ديفيد أو وادي عربة أو أوسلو. ولذلك، فلم يتغيّر شيء بالنسبة لجوليا بطرس. وبناء عليه، فإنّها لم تغيّر موقفها.

حضور حفلة جوليا بطرس هم ممّن ما زالوا يؤيّدون المقاومة ضدّ العدوّ الصهيونيّ ويرفضون الاستسلام له باتّفاقيّات مماثلة لكامب ديفيد ووادي عربة وأوسلو، وهم ممّن يعتبرون الصهيونيّة والإمبرياليّة والرجعيّة عدوّهم. أمّا الآخرون، الذين يعتبرون سوريا وحزب الله وحلفاءهما هم أعداؤهم، فالحفلة لم تكن موجّهة لهم، ولا هم كانوا مدعوّين لحضورها، ولا أعتقد أنَّ جوليا بطرس كانت ستُسرّ بحضورهم لو أنّهم حضروا.