شريط الاخبار
الرئيسية / تقارير اخبارية / رفض الإنشقاق عن الجيش السوري.. فحرمه الإرهابيون رؤية أمه سبع سنين

رفض الإنشقاق عن الجيش السوري.. فحرمه الإرهابيون رؤية أمه سبع سنين

الوحدة الاخبارية

انكب غياث على قدمي أمه مقبلاً وباكياً بعدما سمح لها الإرهابيون مرغمين بالخروج من مدينة دوما التي تنحدر منها العائلة. سنوات سبع مرّت على اللقاء الأخير الذي جمعهما قبل أن يُستدعى غياث للخدمة الإحتياطية في الجيش السوري. ومنذ ذلك الوقت استعاض غياث عن حضن أمه الدافئ بدفء بذلته العسكرية التي ساومه الإرهابيون مراراً على خلعها مقابل السماح له برؤية أمه وكفّ أذاهم عنها. لكن الجندي في الجيش العربي السوري كان حاسماً في خياره: “خدمة الوطن قبل أي اعتبار آخر”.

لحظة اللقاء

لا يمكن للكلمات أن تصف لقاء غياث بأمه. فالشاب الذي يمارس الجندية الإحتياطية في صفوف الجيش العربي السوري منذ بداية الأزمة في سوريا كتب عليه أن يعيش تناقض القرب والبعد عنها على السواء، من خلال سكنه بالغزلانية بعدما غادر بلدته دوما قبيل الأزمة للعمل فيها، أو عبر مكان خدمته العسكرية القريبة كثيراً من دوما. وقف طويلاً على مشارف دوماً متسائلاً عن حال أمه “كيف هي الآن، هل لديها ما يكفي من الطعام، هل هي مريضة أم أن الجسد الذي أرهقه تعب السنين لا يزال يملك القدرة على الصمود”.

“لا زلت أتحسر لأنني لم استطع أن أودعها عندما استدعيت إلى الخدمة الإحتياطية” يقول غياث، مضيفاً “كانت الأحداث قد بدأت في سوريا وخرجت دوما عن السيطرة ولكن إمكانية مغادرة أمي لها كانت متاحة في ذلك الوقت ومع ذلك رفضت أن تترك بيت العائلة للوحوش المتواجدة هناك رغم أني توسلتها لكي تخرج، زودتني بالدعاء ومنذ ذلك الوقت وأنا أعيش وأقاتل وأنام ببركة دعائها ولكن الشوق قد نال مني مراراً إلى أن سمعت بأنها خرجت مع الدفعة الأخيرة من دوما. وعندما سمع رئيسي المباشر في الجيش بذلك أعطاني مأذونية على الفور لكي ألاقي أمي وحرص على تسهيل كل إجراءات وصولي إليها على وجه السرعة”.

يتابع غياث “كنت أعلم كمّ الضغوط التي سيمارسها الإرهابيون عليها، وفعلاً قاموا بابتزاها من خلال الطلب منها اقناعي بالانشقاق عن الجيش السوري مقابل السماح لي برؤيتها، لكنها لم تفعل ذلك، فقاموا بتجوعها”، واعداً “بإعادتها معززة مكرمة برفقة الجيش إلى دوما حين تتحرر في القريب العاجل”.

كلنا للوطن

والدة غياث السيدة أم علي، بدت هي الآخرى غير مصدقة بأنها بقرب ابنها مجدداً. لسانها لا ينقطع عن شكر الله، وهي التي لديها يقين بأن الصبر الذي تسلحت به أدى بها الى لقاء ابنها. فلقاء غياث مع أمه بعد سبع عجاف كان حديث الجميع في مركز الإيواء من جنود وعاملين مدنيين ونازحين من دوما نفسها. فسمعت الوالدة من الحاضرين عبارات “بورك أصلك الطيب يا خالة، نِعم التربية”.

تقول والدة غياث حز في قلبي أنني لم استطع وداعه حين التحق بالجيش منذ سبع سنوات، لكنني كنت أعلم أن الله سيجمعني به ثانية رغم صعوبة الأمر، كنت اتحاشى الخروج من المنزل حتى لا يعاودوا الضغوط علي ثانية بشأن انشقاق غياث ومع ذلك كانوا يحاولون وكان جوابي الدائم “لا أعلم عنه شيئا”، وأنا منذ اللحظة الأولى كنت أدعو الله أن ينصر الرئيس بشار الأسد عليهم”.

في صحوة من اشتياقه لأمه، ينظر غياث إلى وجوه الأطفال الممسكين بطرف ثوب أمه. فتبادره الى القول “هذا هو ابن اخيك عبودي، وهذه هي أخته حسنة، كنت أحدثهما طويلاً عنك”. فيسارع الشاب إلى ضم أولاد أخيه. تقبل حسنة على عمها، لتستعيض بحضوره عن غياب والدها الذي أبقاه الإرهابيون في الداخل مع غيره من الكثيرين كورقة ابتزاز قد تنفع في مفاوضات “التسليم النهائية” بدخول الجيش السوري إلى المدينة.

العائلات الخارجة من دوما تقبل على أم علي مهنئة بسلامة غياث “غير الزمن بعض الوجوه وغيرت الحرب الكثير من النفوس، لكن الزمن يمكن أن يصلح الأحوال”، يقول غياث لموقع العهد.

مع غروب شمس ذلك اليوم سيتحول اللقاء الحار بين غياث وأمه إلى الوداع مجددا، لكنه بالتأكيد لن يكون وداعا كذلك الذي كان عليه قبل سبع سنين. “سآتي قريبا لأصطحبك إلى بيتنا في دوما” يهتف غياث بأذن أمه وهو يقبل يديها قبل يغادر مرتديا بذته العسكرية التي بذل الإرهابيون جهدهم كي يخلعها عنه، فبقي متمسكا بثوب الكرامة هذا حتى آخر دمعة فراق ذرفها على أمه.