شريط الاخبار
الرئيسية / اراء / الوحدة العربية في فكر المناضل القومي العربي والمفكر الأستاذ عبد الله الريماوي

الوحدة العربية في فكر المناضل القومي العربي والمفكر الأستاذ عبد الله الريماوي

في الذكرى الثامنة والخمسين لقيام الجمهورية العربية المتحدة عام 1958
الوحدة العربية في فكر المناضل القومي العربي والمفكر 
الأستاذ عبد الله الريماوي
المحامي فايز شخاتره

 

في هذه الذكرى العزيزة على قلب كل مناضل عربي، والتي جسَّدت أول لقاء بين القوى القومية الثورية لإقامة الدولة النواة لوحدة عربية شاملة، تتطابق حدودها مع حدود الأمة، نستذكر جميعاً الظروف الضاغطة الإقليمية والدولية التي دفعت لإقامة هذه الوحدة، بعد أن فشل حلف بغداد في ضم الأردن إليه ، وبعد طرد الجنرال غلوب والضباط البريطانيين الذين كانوا يتحكمون بقيادة الجيش العربي الأردني، وبعد قيام أول انتخابات نيابية نزيهة في الأردن نتج عنها إقامة حكومة السيد سليمان النابلسي التي شاركت فيها كل القوى المناضلة في الأردن لتخليص الأردن من الهيمنة البريطانية، وبعد فشل العدوان الثلاثي على مصر أواخر عام 1956، وتراجع القوتين الاستعماريتين الفرنسية والإنجليزية ، تقدمت الولايات المتحدة الأمريكية لترث هاتين الإمبراطوريتين الغاربة شمسهما، تحت شعار ملْ الفراغ في الشرق الأوسط.
وقد لاقت أمريكا نفس الرفض ونفس المواجهة التي قوبلت بها كل من فرنسا وبريطانيا ، من قبل القوى القومية العربية الثورية على اختلاف توجهاتها ، فلجأت أمريكا إلى حليفتها وربيبتها تركيا عضو حلف الأطلسي، التي كان يقود حكومتها التيار المتأسلم ، كما هذه الأيام ، والذي وضع كل خياراته في جعبة الدول الغربية الاستعمارية، لتضغط على سوريا، لتبتعد عن الخط القومي العربي الثوري، الذي كان يقوده الرئيس عبد الناصر ، مما اضطر القيادة السورية للاستنجاد بالرئيس عبد الناصر، الذي أرسل قواته إلى سوريا لمواجهة ذلك التهديد، معتبراً أن أي تهديد أو اعتداء على سوريا يعتبر تهديداً واعتداء على مصر ذاتها.
ولما تزايدت الضغوط الدولية الإقليمية على سوريا، لم تجد القيادة السياسية والعسكرية في سوريا، للحفاظ على سوريا وحمايتها، سوى التوجه للرئيس عبد الناصر لإقامة الوحدة بين البلدين ، وبالرغم من معرفة الرئيس عبد الناصر بما يمثله قيام دولة عربية ثورية تمتلك إمكانيات قطري سوريا ومصر على أعداء العرب، وفي مقدمتهم الكيان الصهيوني وداعميه من الدول الغربية بقيادة أمريكا ، وعلى الدول الرجعية العربية الواقعة تحت هيمنة هذه الدول ، فقد حاول أن يهيئ الظروف المناسبة لنجاح هذه الوحدة، إلا أن الضغوط المتزايدة على سوريا فرضت قيام الجمهورية العربية المتحدة في شباط فبراير 1958، فشكلت بقيامها نموذجاً عربياً يُحتذى لقيام دولة عربية تجسد آمال وطموحات العرب في الوحدة والتحرير والتقدم واسترداد أجزاء الوطن العربي السليبة، لكن القوى المتآمرة من رجعية عربية ومن قوى إقليمية ودولية لم يرق لها كل هذا التوجه وبقيت تعمل جاهدة ، حتى نجحت في فك عرى هذه الوحدة بالانفصال الذي حدث في أيلول عام 1961.
وفي حديثنا لهذا اليوم سنتحدث على مفكر عربي كبير ومناضل قومي عريق عايش ظروف هذه الوحدة وأسهم قدر طاقته في قيامها ومحاولة الحفاظ عليها والتنبيه إلى مخاطر إفشالها واستنتاج العبر من انهيارها فيما بعد، مما دفعه إلى كتابة مؤلفاته البالغة أحد عشر مؤلفاً، في مايقرب من ثلاثة آلاف صفحة، بعنوان “موسوعة الوعي العقائدي العربي “.
وكما ظُلمت وحدة 1958 حتى ممن شاركوا في إقامتها من القوى القومية العربية، فقد ظلمت هذه الموسوعة وصاحبها ، حتى من رفاق النضال ، الذين ضيقوا الخناق عليها في البلدان التي يحكمونها، فلم يتح لكثير من معاصريه أو من الأجيال اللاحقة أن تطّلع على أفكار هذا المناضل العنيد ، والملتزم أشد الالتزام بأهدافه ومبادئه التي هي أهداف ومبادئ الثورة العربية التحررية الاشتراكية، على حد تعبيره.
ففي حديثه عن “الوحدة العربية يقول”:
إن الوحدة العربية كأمل يداعب خيال أجيال من الأمة العربية متعاقبة، وكشعار استشهدت تحت لوائه مواكب من شهدائنا متلاحقة ، وكحلًّ حتمي وضروري لأعمق التناقضات القائمة في الحياة العربية ، وكهدف يتحرك نحوه اليوم ، المد القومي الثوري للقوى العربية العاملة.. إنما تعني الوحدة السياسية التي تقوم بها “الدولة العربية الكبرى المنشودة”.
دولة واحدة تعود بالأمر إلى ماهو طبيعي وحق في منطق التاريخ والحياة ، وإلى ماهو حتمي وضروري في منطق المصلحة والحضارة والتقدم، في أمة واحدة مزقها أعداؤها ضد إرادتها وضد مصالحها. توحِّد الأمة في وطنها الواحد في “كيان سياسي واحد”، تزول به وفيه جميع الكيانات السياسية القائمة في الوطن العربي، من دول ودويلات وأشباه دول ومن إمارات ومشيخات ، تجسم شكلاً ومحتوى “وحدة الأمة العربية” الممثلة في قواها العاملة ، وحدة قومية ومصير،  ووحدة هدف ومصلحة، ووحدة حضارة ورسالة.
تحقق بقيامها الوضع اللازم، علمياً، لإمكان بناء المجتمع القومي الاشتراكي الديمقراطي العربي المنشود وحمايته وتطوره كمجتمع كفاية وعدل ، وحرية وكرامة: حُرٌ من الاستعمار والاستغلال والنفوذ، يتمكن المواطن فيه أن يحقق ذاته، وتتمكن الأمة أن تؤدي رسالتها بأسمى ما تكون الرسالة القومية إيجابية وإنسانية.
– وبهذا التصور والمفهوم للوحدة العربية فإنها تكون “هدفاً وغاية” في ذاتها، وتكون “ظرفاً وشرطاً” لمحتواها. فهي هدف وغاية في حد ذاتها لأن نزوع الأمة الواحدة ذات القومية الواحدة لتحقيق دولتها الواحدة ، هو دافع إنساني اجتماعي يجسم قوميتها، وهو عامل علمي من عوامل الحركة التقدمية في التاريخ ، لأنه من أوليات السنن التي تؤكد التجربة الإنسانية الاجتماعية .
وهي “ظرف وشرط”، لتحقيق محتواها، لأنه غير ممكن علمياً وعملياً أن يتم بناء المجتمع الاشتراكي الديمقراطي، وأن تتيسر حمايته وتطويره ، في أي جزء من الوطن العربي، أو على نطاق أضيق من نطاق الوحدة ، بغير أن يُستوعب ذلك البناء في القوى الدولية الكبرى، أو أن يسقط أمام ضغوطها. وبغير “النضال الوحدوي” بمنطق قومي ، لا يستقيم ، بأية حال، النضال “الاشتراكي الديمقراطي العربي”، ولا تتوفر لهذا النضال احتمالات النصر وإمكانيات تجنب النكسات والانحراف.
– ويقول الأستاذ الريماوي :
وبهذا التصور والمفهوم “للوحدة العربية” فإن كل بحث علمي فيها وكل نضال جاد ومخلص من أجل تحقيقها لا بد وأن يكون بحثاً ونضالاً يتقرران بالأوليات التالية:
أولاً: أساس الوحدة القومي .
ثانياً: محتوى الوحدة الاشتراكي الديمقراطي.
ثالثاً: قوى الوحدة العاملة
رابعاً : طريق الوحدة الثوري.
فلا بد لقيام الوحدة العربية أن يسقط التصور والمفهوم اللاقومي للوحدة سواء كان ذا منبع إقليمي رجعي ، أو لا قومي شيوعي، أو أن تتباين أشكال الوحدة لديه ما بين اتحاد كونفدرالي أو فيدرالي.
ولابد لقيام الوحدة العربية أن يسقط التصور والمفهوم غير” الاشتراكي الديمقراطي” للوحدة كمحتوى ، ولا يغير من هذا الحكم في شيء أن تتراوح هذه التصورات والمفاهيم بين تطوير العلاقات بين الدول العربية في إطار الجامعة العربية، أو تطوير التضامن بين بعضها أو كلها خارج نطاق الجامعة العربية.
ولا بد لقيام الوحدة العربية أن تسقط جميع التصورات والمفاهيم الانتهازية للوحدة العربية كقوى، ولايغير من هذا الحكم في شيء أن يترواح تحديد قوى الوحدة في هذه التصورات والمفاهيم بين الحديث عن “جميع” فئات الأمة وطبقاتها، كقوى وحدوية ، مهما اختلفت حول المحتوى والطريق.
 ويخلص الأستاذ الريماوي إلى أنه لن يصنع الوحدة العربية ويحمي كل خطوة على طريق صُنعها ، إلاّ القوميون الاشتراكيون الديمقراطيون الثوريون، الذين يدركون أن الوحدة ليست توحيداً للدول العربية القائمة ، لأنها خلق لدولة جديدة تقوم على أنقاض هذه الدول ، والذين ينطلقون بذلك التصور والإدراك في حركة عربية ثورية واحدة ، تجسم المنطق القومي والثوري ، الواعي “لحتمية الوحدة”.
الأساس القومي للوحدة
– ويوضح الأستاذ الريماوي تصوره للأساس القومي للوحدة العربية فيقول .
إنه يعني أن دولة الوحدة الشاملة تتقرر في حدودها الطبيعية والبشرية بحدود الأمة العربية في وطنها الكبير، ويعني أن دولة “الوحدة النواة” التي يتحقق بقيامها وامتدادها قيام “دولة الوحدة الشاملة”، لا بد أن تكون بميلادها ونموها وتطورها تجسيماً لانتصار الإرادة القومية الثورية، بقيام “دولة الوحدة الشاملة المنشودة” وكقاعدة لحركة النضال القومي الثوري الوحدوي من أجل قيامها ، فتكون بذلك ولذلك، الدولة العربية الوحيدة التي تستحق “ولاء” القوى العربية الثورية، التي ترفض منح هذا الولاء لأي من دول التجزئة .
ويعني هذا التصور أن دولة الوحدة النواة أو الشاملة، تتميز في الشكل والمحتوى وطريق التحقيق تميزاً نوعياً عن توحيد أمم متعددة في حلف أو اتحاد أوحتى في دولة واحدة ، ولذا فلا مجال لمقارنتها بالوحدة الإفريقية أو الأوروبية أو جامعة الشعوب البريطانية أو الاتحاد اليوغسلافي أو السوفيتي .
ويعني هذا التصور أن النهج المصلحي كأساس ومنطق للوحدة العربية يقتضي تحديد المصلحة تحديداً قومياً ثورياً، لا يتطابق بالضرورة مع المصلحة القطرية لكل قطر عربي على حدة، كما لا يعني حصرها في المصلحة الاقتصادية، التي لا تعْدو أن تكون عنصراً واحداً من عناصر المصلحة القومية ، التي تشتمل على المصلحة الاقتصادية وغيرها لمصالح القومية، كالتحرر والاشتراكية الديمقراطية واسترداد أجزاء الوطن السليب.
المحتوى الاشتراكي الديمقراطي للوحدة
– أما فيما يتعلق بالمحتوى الاشتراكي الديمقراطي للوحدة العربية فيرى الأستاذ الريماوي : إنه إذا كان النزوع القومي لإقامة الدولة القومية الواحدة سنة إنسانية لاتحتاج إلى تبرير، فإن النضال الإنساني ضد التخلف من أجل الكفاية في الإنتاج ، والصراع الطبقي ضد الاستغلال، من أجل العدل في توزيع الإنتاج ، والكفاح الإنساني من أجل الديمقراطية وسيادة المنهج العقلاني العلمي، في التصدي للتحديات، هي أيضاً سنن إنسانية حية تدفع لإقامة المجتمع القومي الاشتراكي الديمقراطي، كما أن صنع التقدم  لا يمكن أن يُبنى على أساس التجزئة .
ويؤكد الأستاذ الريماوي أن التجربة أثبتت سقوط جميع الدعوات التي تتنكر لمحتوى الوحدة، الاشتراكي الديمقراطي، حتى لو كان إلحاحها على قيام الوحدة على أساس قومي ، وكشفت التجربة أنها إما دعوات مشبوهة يقبع وراءها الاستعمار والرجعية، فلا يقل عداؤها للاشتراكية عن تآمرها على الوحدة، وإما أنها دعوات مراهقة عجزت عن إدراك مطالب الجماهير الوحدوية الاشتراكية الديمقراطية .
ويتابع أن الأساس القومي للوحدة العربية ومحتواها الاشتراكي الديمقراطي ، يحددان طريق الوحدة وقواها، كما يحددان أسس صورتها الدستورية وبنيانها السياسي.
قوى الوحدة
– أما فيما يتعلق بقوى الوحدة، فيؤكد الأستاذ الريماوي أنها القوى القومية الاشتراكية الديمقراطية العربية، وعليه فإن القوى الإقليمية والطائفية والعنصرية والشعوبية والرجعية لاتعتبر من قوى الوحدة ، كما أن الفئات والطبقات الحاكمة والمستغلة، والمرتبطة في بقائها ومصالحها ومصائرها، مع بقاء أوضاع التجزئة والاستغلال والتخلف في الوطن العربي، تخرج من إطار قوى الوحدة العربية، ويؤكد أن قوى الوحدة تضم، بالمصلحة والمصير وبالواقع، قوى الشعب العاملة من عمال وفلاحين وجنود ومثقفين ثوريين، كما تضم بالإمكان القطاعات غير الواعية لقضيتها ومصلحتها أو المضللّة عنهما.
– ويعرّج الأستاذ الريماوي على قيام الجمهورية العربية المتحدة وانهيارها فيقول : إن وحدة عام 1958 ظُلمت منذ أن اغتيلت بأيدي الاستعمار والرجعية العربية، وطعنتها في الظلام خناجر العملاء المأجورين ، بعد أن أربكت بناءها الداخلي وامتدادها الوحدوي، عقليات البيروقراطية وأساليبها من وراء المكاتب، وطموحات الانتهازية والانحراف المقنّعة بالعقائدية الكاذبة ، من خلف الكواليس وفي الشوارع ، لقد ظلمت هذه الوحدة وظُلمت معها القوى القومية الوحدوية الشعبية على نطاق الوطن كله، سواء كان الظلم بالتفسيرات غير الوحدوية التي سيقت في تفسير قيامها واعتبرته سابقاً لأوانه، أو كانت بالأسباب السطحية التي ذُكرت في تفسير توجيه الطعنة لها والعجز عن حمايتها ، وأدت إلى رفع شعارات “الوحدة المدروسة ” و “الوحدة الاتحادية ” وما إليها ، ويضيف إن ماهو أخطر من هذا الظلم ، هو إرباك القوى الوحدوية ، وإشاعة اليأس من تحقيق هدف الوحدة في نفوس قواها.
إن تحليلاً أكثر علمية وعدلاً ، سيدرك : إن قيام الوحدة عام 1958 ، وأن حدوث مؤامرة الانفصال عليها سنة 1961، وإن العجز عن حماية الوحدة من المؤامرة ، وإن ما تلا ذلك من أحداث كبرى في الوطن العربي، أبرزها عجز الانفصال عن تحقيق الاستقرار ، أو كسب ولاء الجماهير العربية الوحدوية، إنما هي وقائع تتوحد ، بالتحليل الواعي: لتؤكد أن الوحدة واجبة وممكنة، بينما الانفصال مستحيل ، وأن القوى العربية العاملة الوحدوية قادرة على تحقيق الوحدة وحمايتها وتوسيع رقعتها ، إذا توفرت لها الآداة الثورية الطليعية القادرة على حمل مسؤوليات قيادة نضال هذه القوى ، بمنطق المبدأ القومي الثوري “ثورة عربية واحدة – بحركة عربية واحدة”.
ويؤكد الأستاذ الريماوي : أن عجز القوى الشعبية الوحدوية عن حماية وحدة 1958 ، وعجزها حتى اليوم عن إقامة “دولة الوحدة النواة ” من جديد، يعود لأسباب  كثيرة ، ليس أولها ولا أهمها ، ضخامة القوى المعادية ، الخارجية والداخلية، وليس أهمها النقص في الطاقات النضالية الثورية لدى القوى الشعبية الوحدوية ، أو الافتقار للتضحية والفداء بين صفوفها ، بل إن أهم هذه الأسباب هو افتقار القوى العربية العاملة للأداة الثورية الطليعية الواحدة التي تقود نضالها بمنطق الثورة العربية الواحدة.
إن المرحلة القائمة في تاريخ النضال العربي قد تخطت مجرد رفع شعار “وحدة الهدف” من قبل بعض العهود العربية الثورية، فلا بد لوحدة الهدف أن تتجسد في قيام “الحركة العربية الثورية الواحدة”، وأن تتجسد في ميلاد “دولة الوحدة النواة”، التي تمثل الانتصار الحقيقي للقواعد الشعبية في الانطلاق عن طريق تحقيق “هدف الوحدة”.
الطريق إلى الوحدة
– وفي حديثه عن الطريق إلى الوحدة العربية ينطلق الأستاذ الريماوي من رفضه التسليم بأية شرعية للكيانات السياسية العربية القائمة حالياً، لأنها في الأساس والمنشأه، قائمة وتستمر برعاية وحماية تحالف بين القوى الاستعمارية المهيمنة على الوطن العربي وبين جماعات داخلية حاكمة، يرتبط بقاؤها ارتباطاً وثيقاً بهذه القوى وتتحالف هذه الجماعات الحاكمة مع فئات وطبقات رأسمالية ورجعية مستغلة لجهود قوى الشعب العربي العاملة، ولذا فإنه يصل إلى نتيجة مؤادها أن أي من هذه الكيانات لا تستحق أن يمحضها المناضل العربي الولاء، حيث أن هذا الولاء لا يجوز أن يمنح إلاّ لدولة “الوحدة النواة” أو “لدولة الوحدة الشاملة المنشودة”، ولتأكيد هذا المعنى يقول : أن تقييماً موضوعاً أميناً لموقف القوى العربية العاملة الحقيقي في ربوع الوطن العربي كله منه هذه المسألة ، سيجده موقفاً يؤكد هذه الحقيقة تأكيداً صارخاً، فمنذ أن قام في مصر، بثورة 23 يوليو، عهد وقيادة وجدت فيهما القوى العربية العاملة ، تعبيراً قومياً ثورياً عن آمالها وإرداتها وهدفها ، وبصورة خاصة ، منذ ميلاد الجمهورية العربية المتحدة “كدولة نواة” للوحدة، وجدنا أن هذه القوى في جميع أجزاء الوطن العربي قد توجهت بآمالها وولائها لذلك العهد وتلك القيادة وهذه الدولة النواة ، وأنها عّبرت عن ذلك بصورة متواصلة، تؤكد أن الأمة العربية ممثلة بقواها العاملة ترفض منح الولاء للكيانات السياسية المجسمة للتجزئة، وتأبى الاعتراف لها بالشرعية الشعبية القومية .
ويعني هذا أن طريق الوحدة ليست من خلال جمع الكيانات القائمة أو تجميعها أو تضامنها ، بل هو ، صنع بالثورة ، لكيان سياسي جديد، بمحتوى اقتصادي واجتماعي وسياسي جديد يمثل انتصار القوى والقيم القومية الجديدة.
وعليه، فهو يستبعد أن تؤدي أية خطوات ضمن إطار الجامعة العربية إلى قيام مثل هذه “الدولة النواة” ، أو “دولة الوحدة الشاملة”، لأن إطار الجامعة العربية يقوم بالأساس على الاعتراف بكيانات التجزئة، ويعمل على تكريس وجودها المناقض لوحدة الأمة في كافة أقطارها.
ويناقش الريماوي بتفصيل الحجج والمبررات التي يسوقها أنصار “التطورية والواقعية” في الوصول إلى الوحدة العربية ، استناداً إلى مابين أجزاء الوطن العربي من تباين وتناقض ، ويؤكد أن التناقض الأساسي الرئيسي الموجود في أي جزء من أجزاء الوطن العربي والقائم كعائق أساسي أمام إمكانية انطلاق هذا الجزء نحو الوحدة، هو قيام دكتاتورية التحالف الاستعماري الرجعي في هذا الجزء، ولا يمكن حل هذا التناقض الرئيسي في أي قطر عربي، إلاً بالثورة التحررية الاجتماعية، التي تسقط دكتاتورية ذلك التحالف ، وتقيم على أنقاضها ديمقراطية القوى الشعبية العاملة.
أما ما يبقى من تناقضات بعد قيام هذه الثورة السياسية الاجتماعية فيمكن تصنيفها إلى نوعين رئيسيين: نوع لا بد من حله قبل دخول هذا القطر إلى الوحدة عبر الثورة التحررية، ونوع لا يمكن حله إلاّ بعد دخول هذا القطر إلى الوحدة، ويكون حله بالتطور الثوري داخل الوحدة.
آداة الثورة العربية
– وأما عن الآداة التي تستطيع بها الجماهير العربية القيام بثورتها السياسية الاجتماعية، وصولاً إلى الوحدة، فيرى أنها لابد أن تتجسد في ميلاد “حركة عربية واحدة “تُجسد وحدة الثورة والهدف، وتجسد بصفة خاصة هدف “الوحدة”، بأساسها القومي ومحتواها الاشتراكي الديمقراطي، حركة تولد وتتكون وتنمو بانتماء فردي يمثل التزاماً عقائدياً مصيرياً، وليس من خلال التقاء جبهوي تطوري، لأحزاب أو كتل أو منظمات قائمة ، حركة يجب أن تكون في أولى حلقاتها وخطواتها، موحدة العقيدة والميثاق، قومية التكوين والقيادة والتخطيط والمسؤولية.
إنها حركة تعتبر الوطن العربي كله ، بلا حدود، مسرحاً واحداً لها ، وتنتهج مبدأ علنية الوجود ، مع سرية التنظيم ، حيث تقتضي الأوضاع القطرية ذلك ، تجسد في تركيبها المقياس القومي والطبقي في وقت واحد ، فلا يجوز أن يكون بين أعضائها من ليس اشتراكياً، حتى لو كان متحمساً قومياً ووحدوياً، ولا يجوز أن يكون بين أعضائها غير القوميين من الإقليميين، أو الذين لا يؤمنون بوجود الأمة العربية، حتى لو أعلنوا أنهم اشتراكيون متحمسون. حركة تكون مهمتها الأولى فتح الطريق أمام التيارات الفكرية الوحدوية الاشتراكية الديمقراطية، حتى تتغلب على التشتت الفكري الذي أحدثته الظروف الاستعمارية وحلفائها من الرأسمالية الطفيلية الرجعية الإقليمية، منتهجةً التخطيط القومي الثوري المبني على الدراسة العلمية للواقع العربي والتناقضات القائمة فيه، وللقوى الداخلية والخارجية المعادية لهدف الوحدة ووحدة الهدف ، تخطيط يتبعه عمل ثوري ينفذ الخطط القومية والقطرية النابعة منه، لدفع حركة التغيير الثوري نحو هدفها المنشود.
ويؤكد الأستاذ الريماوي أن وحدة الحركة العربية الثورية، هي الضمانة الأساسية لأن تكون الثورة في أي قطر عربي، في مرحلتها الاشتراكية الديمقراطية، ثورة وحدوية اشتراكية ديمقراطية ، وهي ضمانة أساسية في أن تدرك القوى العربية العاملة مكان معركتها القطرية في إطار المعركة القومية، ومكان “هدفها” القطري من وحدة الهدف الكبير.
ويختم حديثه حول أداة الثورة العربية بقوله أن قيام “دولة الوحدة النواة ” هو الخطوة الوحدوية العملية الأولى على طريق الوحدة الشاملة ، كذلك فإن اتساع رقعة هذه الدولة النواة، لتشمل بالثورة بقية أجزاء الوطن، هو السبيل لقيام “دولة الوحدة الشاملة”.
الشكل الدستوري للوحدة
وأما عن الشكل الدستوري للوحدة فيقول الأستاذ الريماوي ، أنها مسألة قابلة للبحث والاجتهاد، الخاضع لمقاييس علمية تنبع من الإيمان بأولوية مسألة الوحدة وقيمتها التاريخية وضرورتها المصيرية، وتتخلى عن الانطلاق من الاعتراف بالكيانات السياسية القائمة أو استهداف المحافظة عليها ، بزعم وجود مصالح أو هويات أو شخصية إقليمية خاصة لهذا الكيان أو ذاك، يجب مراعاتها وإخضاع شكل الوحدة الدستوري لها.
والمهم في هذا المجال هو الانطلاق من أن الأصل أن تكون دولة “الوحدة النواة” وكل “دولة – خطوة”، على الطريق بينهما، دولة واحدة تلغي الكيانات السياسية القائمة إلغاءً تاماً ، ومن هذا المنطلق فإن العوامل العلمية التي يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار هي :
أولاً: مقتضيات حماية دولة الوحدة وضمان امتدادها الوحدوي .
ثانياً: مقتضيات قوة التخطيط المركزي وسرعة التنفيذ.
ثالثاً: مقتضيات ديمقراطية العمل لإقامة المجتمع الاشتراكي الديمقراطي بتخطيط مركزي .
رابعاً: إقامة نظام حكم محلي يرتكز إلى تقسيم الدولة إلى وحدات “إدارية، غير سياسية”، “لاتتطابق حدودها مع حدود الكيانات السياسية القائمة بالتجزئة” ، لأن هذا هو السبيل القومي والعلمي لتصفية الرواسب الإقليمية ولحماية الوحدة.
ويختم الأستاذ الريماوي حديثه عن الشكل الدستوري لدولة الوحدة بالقول : لقد ثبت بالتجربة المريرة إن طرح شعار “الوحدة”، شأنه شأن شعارات الوحدة “الاتحادية” أو “المتكافئة” أو “المدروسة”، إنما آتى ويأتي التفافاً على هدف الوحدة، وتآمراً على قواها ، وأن لافرق بين أن تطرح هذه الشعاراتّ “الاتحادية “القوى اللاقومية أو الإقليمية والرجعية، أو القوى التي ترفع شعار القومية، وتتصرف بانفصالية مقنعة بأقنعة عقائدية.
مسألة الأقليات
– ويختم الأستاذ الريماوي حديثه عن الوحدة العربية بالتعرض لمسألة “الأقليات” قائلاً أنها مسألة لايمكن تجاهلها ، وليس مطلوباً منا اقتراح مشاريع حلول لها، غير أن المطلوب هو تحديد هذه المسألة علمياً ، انطلاقاً من الواقع العربي القائم.
وعند تحديده لهذه المسألة يقول أنها تتعلق بمسألة الأقليات “القومية” التي تعبر عن أمم أو أجزاء من أمم مستقرة في أوطانها الأصلية، تضمها في هذه الأوطان دولة أو دول أخرى، فتكوّن أقليات ، يحركها نزوعها القومي للانفصال عن هذه الدولة أو الدول ، طلباً لتكوين دولتها القومية.
ويجزم الأستاذ الريماوي، بأنه لايقع في نطاق هذه الأقليات “ملل” أو “طوائف” من أبناء الأمة الواحدة تدين بدين غير دين الأكثرية في الدولة، أو تنتمي لطائفة غير الطائفة التي تنتمي لها الأكثرية.
كما يجزم الأستاذ الريماوي بأنه لايقع في نطاق الأقليات ، جماعات لاتشارك هذه الأمة في مقوماتها (اللغة ، التاريخ، الأرض) كأمة، إذا كانت هذه الجماعات غازية وافدة، (الصهاينة)،  أو إذا كانت هذه الجماعات مقيمة مستوطنة غير غازية أو وافدة ، لكنها ليست أمماً أو أجزاء من أمم متكونة أو في طريق التكوين .
ويستند في هذا التحديد إلى أن “الدولة القومية” لاتقوم على أسس الطائفية أو العنصرية، وإنما تقوم على أساس مساواة المواطنين فيها مساواة كاملة في الحقوق والواجبات، بمعزل عن الدين والطائفية أو اللون أو العنصر، وتقوم على أساس “حرية الاعتقاد” والعبادة للمواطنين جميعاً ، وعليه فلا يبقى أي مجال فيها للحديث عن أقليات دينية أو طائفية أو عنصرية .
وفي ضوء هذا التحديد يقول: أن هذه المسألة لا تقوم في الواقع العربي إلاّ بصدد مشكلتين هما مشكلة الأكراد في العراق، ومشكلة الجنوب في السودان مع بعض التحفظات.
أمّا الذين يتحدثون عن البربر كقومية أو كأقلية قومية فإنهم يغالطون التاريخ والواقع لأن البربر من صميم المركب البشري الذي تتكون منه الأمة العربية . (ويمكن الرجوع هنا إلى ماكتبه المفكر العربي الجزائري “عثمان سعدي” ، وهو من أصل بربري،  في هذا الشأن).
ولا يعتبر وجود المغتصبين الصهاينة في فلسطين أو الأتراك في الاسكندون أو الإيرانيين في عربستان أو الأقليات الأجنبية العاملة في دول الخليج والجزيرة العربية ، ممن يقعون في دائرة الأقليات القومية العربية في الوطن العربي، لأنهم إما غازون معتدون يجب التصدي لهم، أو ذوي وجود طارئ ينتهي بقيام الدولة العربية الشاملة .
وفي تصديه لبحث مشكلتي الأكراد وجنوب السودان، يقول أنه بالرغم من وجود أساس موضوعي لهاتين المشكلتين ، فإن القوى والخطط والأصابع الأجنبية الاستعمارية منها والشيوعية ، تدخلت وتتدخل بصورة متواصلة في تحريكهما ، على اختلاف دوافع تلك القوى وأهدافها ، تحريكاً يتناقض مع مصالح وأهداف الجماهير العربية، ومع مصالح وأهداف جماهير هاتين الأقليتين، ويلتقي هذا التحريك على مقاومة المد القومي الثوري العربي في سعيه لإقامة دولة الوحدة العربية الشاملة، ويقول أن الأحزاب والقوى الرجعية في هذه الأقليات نفسها التي تطالب بالانفصال ، تحت شعار النزوع القومي في العراق والسودان، تصمت عن تلك المطالبة ، في دول أخرى ، بالرغم من أنها تضم من أوطانها أجزاء أوضح وأوسع، وتستوعب من إخوانها أقليات أكبر، وتعاني من أوضاع لا تقارن أصلاً بأوضاعها في تلك الدول العربية، فيكون صمتها في تلك الدول، أبلغ في تعبيره عن الأغراض المشبوهة الكامنة وراء تلك المطالب، ويكون “قعودها ” حاسماً في تحديد القوى الأجنبية المحركة لنضالها للانفصال ، حيث أنها لا تزيد عن كونها مجرد أدوات ووسائل من أدوات الاستعمار والإمبريالية لمحاربة القوى العربية العاملة ، في نضالها للوصول إلى إقامة الدولة العربية الاشتراكية الديمقراطية المنشودة.
ويُلاحظ الأستاذ الريماوي على هذه القوى والأحزاب التي تتحدث بإسم هاتين الأقليتين أنها تنكر حق الأمة العربية في الوحدة، وتتجاهل الصلة الجدلية بين تحقيق الحل القومي التقدمي لمشكلتيهما، وبين مدى انتصار القوة العربية الثورية في الانطلاق على طريق تحقيق هدفها الوحدوي الاشتراكي الديمقراطي.
ويصل الريماوي إلى أن أولى واجبات القوى القومية الثورية العربية هو أن تُخرج هاتين المشكلتين من إطار المنطق الاستعماري غير القومي وتوجيهه لهما، بأن نبذل جهداً مخلصاً متواصلاً، لإقامة قاعدة صلبة من التفاهم والتعاون على تلك الأسسس مع جماهير هاتين الأقليتين وقواهما القومية التقدمية، غير المرتبطة بالتوجهات والخطط الاستعمارية، ويمضي ليبين الفرق بين المسألتين، حيث أن المسألة في جنوب السودان ليست مسألة أقلية قومية متكونة ، شأن الأقلية القومية الكردية، ولكنها مشكلة “أقلية قومية في طريق التكون”.
ويختم بالقول أن أساس حل هاتين المسألتين ينطلق من الإيمان “بسُنَّة” النزوع القومي وما يترتب عليها من حقوق قومية لكل الأمم على قدم المساواة ، مع مراعاة أن بين أبناء كل من هاتين الأقليتين وبين أبناء الأمة العربية في قطريهما روابط تراثية ومصلحية كبيرة، قائمة بحكم التاريخ والجوار، لا يمكن ولايجوز إنكارها، وأنه بالاتفاق الحر معها يمكن أن يكون مصدراً لصيغ دستورية مرنة وممكنة، وأن هذا الحل يرتبط بمدى انتصار حركة الثورة العربية ومسيرتها على طريق تحقيق أهدافها، وبذلك تقدم الثورة العربية نموذجاً يُحتذى في فهم قضية الأقليات وطريقة حلها .
علاقة الوحدة بالتحرير
وفي مجال ربط إقامة الدولة العربية النواة بقضية تحرير فلسطين يقول الأستاذ الريماوي: إن أباإيبان وزير الخارجية الصهيوني الأسبق سئل قبيل عدوان 1967 عن أهم الدعامات التي تستند اليها الاستراتيجية الصهيونية التي تكفل بقاء اسرائيل مسيطرة في قلب المنطقة العربية الواسعة المعادية لها، فأجاب ، باختصار بليغ،: أن أهم هذه الدعامات هي “استمرار بلقنة المنطقة العربية”، أي بقاؤها مجزأة مفتتة كدول البلقان.
ولذا فإن الأستاذ الريماوي يرى أن الانطلاق العلمي على طريق تحرير الأراضي الفلسطينية المغتصبة حلاًّ جذرياً، يتناسب طردياً مع مقدار الانطلاق لتصفية أوضاع التجزئة والتخلف والاستغلال والتبعية للاستعمار القائمة في الوطن العربي.
ومن أقواله المأثورة : “إن دبابات الانفصال التي تحركت عام 1961 للقضاء على الوحدة بين مصر وسوريا، هي التي فتحت الطريق لما جرى من هزيمة عربية كبرى عام 1967″، وفي المفاضلة بين شعاري “الوحدة طريق التحرير مقترنة بالحرب النظامية”، أو “التحرير طريق الوحدة مقترناً بالحرب الشعبية ”  يقول: إن الشعار الأول يكون خطيراً ، حين يكون دعوة لوقف النضال عن طريق التحرير، حتى تتم إقامة “دولة العربية النواة” أو حتى إقامة “دولة الوحدة الشاملة”، أو حيث يكون دعوة للاستغناء عن الكفاح الشعبي الفدائي المسلح، كدعامة أساسية من دعامات قوة التحرير، التي يقوم فيها الشعب العربي في فلسطين بدور طليعي، كما أن شعار “التحرير طريق الوحدة ” يكون خاطئاً وخطيراً حين يكون زعماً بأن شعب فلسطين قادر لوحده على القيام بأعباء التحرير، بمعزل عن جهد قومي عربي ثوري يسهم في المعركة إسهاما مباشراً، أو حين يكون زعماً بأن من الممكن تحقيق هدف التحرير مع بقاء الواقع العربي الإقليمي المحيط بالكيان الصهيوني ، على ماهو عليه.
إن التصور العلمي لمعالم طريق التحرير يعتمد على القوة العربية الذاتية التي تملك قرارها، والقائمة على دعامتي الكفاح الشعبي الفدائي المسلح، الذي يلعب فيه الشعب العربي في فلسطين دوراً طليعياً ، والقوة النظامية القادرة التي تعتمد على “دولة الطوق العربية” المحيطة بفلسطين المحتلة، والتي تضع كل إمكاناتها العسكرية والاقتصادية لخدمة هدف التحرير .
إن قيام دولة الطوق العربية هذه ، يضعها في مركز التحكم الفعلي في أسلحة النصر العربية، وفي مقدمتها البترول، حتى لو كان تحت سيطرة الرجعية، كما أن قيامها يُلغي نهائياً المصالح والعوامل والكيانات التي تقف حائلاً دون قيام التنظيم الطليعي الإنقاذي الفلسطيني كتنظيم يعبئ الطاقة الفلسطينية الثورية ويحركها كقوة طليعة وفداء في المعركة، ترفع علم فلسطين، إذا اقتضت الظروف الدولية رفع هذا العلم.
كما أن قيام هذه الدولة يجعلها قادرة على إرهاب الدول الرجعية خارج دولة الطوق وعلى إرغامها على التعاون في معركة التحرير، بل يجعلها قادرة على ضرب هذه الرجعية وشلها ومنعها ، إذا لزم الأمر ، من الإقدام على الإسهام المتآمر مع الأعداء لإلحاق النكسة بمعركة الإنقاذ المصيرية في أدق مراحلها.
إن قيام هذه الدولة يقيم حالة من التدهور واليأس في معنويات الصهاينة وعلى تفجير الصراعات والتناقضات الداخلية فيما بينهم ، مما يضعف قدرتهم على الصمود، قد يؤدي بهم إلى الاستسلام في المعركة ، وأما في المجال العالمي فإن قيام دولة الطوق يؤكد للأعداء قبل الأصدقاء أن الإرادة العربية التحررية الوحدوية الاشتراكية منتصرة حتماً ، فلا جدوى من محاولة إعاقتها بالمحافظة على بقاء الكيان الصهيوني ، ولافائدة من معاداة دولة تنطق باسم العرب جميعاً ، باستمرار دعم الدول الأجنبية لبقاء هذا الكيان الغاصب.
وفي مناقشّته للبيان الوزاري لحكومة السيد عبد الحميد شرف في المجلس الوطني الاستشاري ، وقبل أشهر من وفاته كان كأنه يقرأ في كتاب ويستشرف مايحدث اليوم، حين يؤكد أن التحدي الذي تواجهه أمتنا العربية بعد كامب ديفيد ، يعد تحدياً صارماً مؤاده أن نكون أو لانكون ، بعد أن صفّى المشكلة الفلسطينية، بأن اعترف بملكية الصهاينة لكل فلسطين، بما يبيح ويتيح للتحالف الصهيوأمريكي على طريق تصفية القضية العربية ثلاثة أهداف رسمها هذا التحالف بدقة وهي:
أولاً: إقامة وإدامة أوضاع في مصر تلغي انتماءها الحركي القومي العربية ودورها القيادي في صنع المستقبل العربي ، بل وتضعها في موقع الحليف لأمريكا واسرائيل المعادي للمصير العربي القريب والبعيد.
ثانياً: واستناداً لما سبق، إتاحة الفرصة لتوسع إسرائيلي يجتاح المشرق العربي، ولا يكتفي بتغيير الحدود الإقليمية على الأرض ، بل إنه سيعمل على إلغاء الوجود العربي بإقامة دويلات طائفية ومذهبية ، حيث أمكنه ذلك.
ثالثاً : الزج بالأمة العربية في أحلاف أمريكية صهيونية لدعم القضية الأمريكية الصهيونية على حساب القضايا العربية المصيرية.
رحم الله الأستاذ عبد الله الريماوي الذي كان نافذ البصر والبصيرة مخلصاً لقضايا أمته العربية من المحيط إلى الخليج وفي مقدمتها قضايا التحرير والوحدة.
 
المحامي فايز شخاتره
رئيس المنتدى العربي / عمّان
 
  (محاضرة القيت في المنتدى العربي في 23/2/2016)