شريط الاخبار
الرئيسية / اراء / قانون قيصر: سوريا مُستهدَفةٌ والعين على إيران!

قانون قيصر: سوريا مُستهدَفةٌ والعين على إيران!

عبدالله سليمان علي

يكادُ مشروعُ قانونِ “قيصر أو سيزر” يصبحَ أمراً واقعاً سيفرض نفسه، عاجلاً أم آجلاً، على المشهد السوري بكلِّ تعقيداته وأبعاده المحليّة والإقليميّة والدوليّة. لكنّ مقوّماتِ المرور عبر مسارب السلطة التشريعية الأميركية لم تكن تتوافر لهذا المشروع الذي أُحبط في أواخر عهد الرئيس الأميركي باراك أوباما عام 2016، لولا مبضع التعديلات الذي أُعمل فيه بجدارة وعمقٍ، وأدّى إلى تغييره شكلاً ومضموناً وغاياتٍ، وجعله قابلاً للحياة وسط تناقُضات المؤسّسات الأميركية من جهة، وتناقُضات السياسية الدولية من جهةٍ أخرى.

 وقد خلتْ نسخة “قيصر” التي أقرّها مجلس النواب الأميركي منتصف الشهر الماضي، من موادّ وأحكام وديباجاتٍ كانت النسخة القديمة تتوخّى منها أن تكون رأس الحربة في إسقاط الدولة السورية بذريعة “العمل بفعالية لنقل السلطة إلى حكومة ديمقراطية في سوريا تعيش في سلامٍ وأمنٍ مع جاراتها”. وأهمّ هذه المواد والأحكام هي: إحداث قائمة بمُعاقبة كبار المسؤولين السوريين بأسمائهم الشخصية ومناصبهم الوظيفية بحجّة انتهاك حقوق الإنسان وارتكاب جرائم حرب. وتفويض وزارة الخارجية الأميركية بدعم الكيانات التي تجمع وتحفظ سلسلة الأدلّة، من أجل المُلاحقة النهائية لمَن يرتكبون جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية في سوريا. والأخطر من ذلك هي المواد التي كانت تتضمّن أحكاماً بإنشاء منطقة حَظْر جوي فوق أجزاء من الأراضي السورية والتي كان من الممكن أن تشكّل خطراً وجودياً داهماً.

لم تعد هذه الأحكام ذات البُعد السياسي الواضح موجودةً في نسخة “قيصر” الجديدة، لكن استُعيض عنها بحزمةٍ قاسيةٍ من الإجراءات القَسْريّة ذات الطابع الاقتصادي التي يمكن تلخيص غايتها بعبارة واحدة هي محاولة عزل سوريا سياسياً واقتصادياً عن جوارها وحلفائها والعالم.

ومع عدم استبعاد أن يكون البُعد السياسي الخاص بسوريا ما زال موجوداً في بعض حنايا مشروع القانون مُتلطيّاً وراء الستار الاقتصادي، إلا أنّ مجرّد إهمال هذا البُعْد وتركه في حال الكمون، عطفاً على تركيز المشروع الجديد، في إجراءاته القَسْرية وعقوباته، على حلفاء الدولة السورية، يمكن الاستدلال منه على أمرين إثنين: الأول أن المُتغيّرات الميدانية وطبيعة التطوّرات السياسية التي شهدتها الأزمة السوريّة، اضطرتا واضعي مشروع القانون إلى تجريده من مخالبه وأنيابه وإفساح المجال أمام الرئيس الأميركي ليكون أمامه هامش واسع في تطبيق هذا القانون بمرونةٍ تقتضيها هذه المُتغيّرات والتطوّرات، وهو ما تدلّ عليه الاستثناءات والإعفاءات التي حَفِل بها مشروع القانون. والثاني، وقد يكون هو الوجه الخفيّ لمشروع قانون قيصر ومفاده أنه بينما يُصوّب هذا المشروع على التفاصيل السورية مثل قطاع الطاقة، وإعادة الإعمار وقُطَع غيار الطائرات وإمكان اتّهام المصرف المركزي بغسيل الأموال، فإنّ عينه قد تكون تنظر إلى ما هو أبعد من ذلك وتحديداً إلى إيران.

وما يُرجّح وجود إيران في خلفيّة تمرير القانون، أن الأزمة السورية لم تعد محل توافق بين المؤسّسات الأميركية ، خاصةً  بعد قرار الانسحاب الذي وسّع الهوّة بين البيت الأبيض ومؤسّسات الدولة العميقة. في حين أن الموقف ضد إيران يشكّل في هذه المرحلة هدفاً محورياً لكلّ من جناحي الإدارة، لذلك تكتسي الموافقة على مشروع القانون كاستثناءٍ وحيدٍ في ظلّ الإغلاق الحكومي الذي كان سارياً وقتذاك دلالة كبيرة على أن الغاية لا بدّ من أن تكون قادرة على كَسْر الجمود بين الطرفين.

كما أن الصلاحيات الواسعة التي منحها مشروع القانون للرئيس الأميركي بخصوص إقرار العقوبات على الدول الحليفة لدمشق وإمكانية الإعفاء منها وفق شروط مُعينة، من شأنها أن تُرجّح مَيل الرئيس الأميركي إلى استغلال هذه الصلاحيات لوضعها في سياق استراتيجيته المُعلَن عنها حول مواجهة النفوذ الايراني في المنطقة. وما يعزّز من ذلك أن استراتيجية واشنطن حول سوريا التي وضعها المبعوث الأميركي إلى سوريا جيمس جيفري ، كانت تعتبر مواجهة النفوذ الإيراني غايتها الرئيسية، حتى أن واشنطن حاولت مُقايضة سحب قوّاتها من شرق الفرات بإخراج إيران من سوريا حسب ما كشف عنه سماحة السيّد حسن نصر الله في مقابلته الأخيرة مع الميادين.

ولم يعد سرّاً أن سياسة واشنطن خلال العامين الماضيين قامت على أساس محاولة ضرب إسفين بين دمشق وطهران، وهو ما تجلّى بأوضح صورة له في مُطالبات “المجموعة المُصغّرة” التي حثّت دمشق علانية على التخلّي عن تحالفها مع إيران. ويبدو أن فشل هذه المحاولات في تفكيك محور المقاومة قد دفع واشنطن إلى التفكير بخططٍ جديدةٍ: تضع كلتا الدولتين (سوريا وإيران) تحت ضغط اقتصادي غير مسبوق، وتمنع بما أوتيت من قوّة، أن تكون إحداهما منفذاً أو مُتنفّساً للأخرى خاصة بعد توقيع الاتفاقيات الاستراتيجية بين الدولتين أثناء زيارة نائب الرئيس الإيراني إلى دمشق قبل أسابيع قليلة.

ولا يُقلّل ما سبق من الخطورة التي يمكن أن تشكّلها تداعيات مشروع القانون في حال إقراره نهائياً، على الوضع الداخلي في سوريا لا سيما في ظلّ قراءة ما جرى ويجري في فنزويلا من محاولة موصوفة للانقلاب على الشرعية فيها بذرائع وأدوات تكاد تكون مُشابهة لما يمكن أن ينتج من مشروع قيصر من أثر مُتدحرج على المدى الطويل.

وفي المُحصّلة، يمكن القول إنه إذا كانت نسخة عام 2016 من مشروع “قيصر” تشبه نمراً هائجاً وهو يتّخذ وضعية الانقضاض على فريسته، شاهِراً مخالبه وأنيابه في وجهها، فإن النسخة الجديدة التي أقرّها مجلس النواب الأميركي تنطوي على محاولةٍ لتجميل هذه الصورة من خلال إخفاء الكثير من تفاصيل عدوانيّتها وراء ستار اقتصادي ناعِم، لتُصيب الحيرة الناظِر وتجعله يتساءل هل ذلك النمر في حال انقضاض أم أنه يناور وحسب؟