شريط الاخبار
الرئيسية / اراء / لقاءُ سوتشي والخطّان المُتوازِيان

لقاءُ سوتشي والخطّان المُتوازِيان

د.حياة الحويك عطية

في العام 1993 نشرت مجلة (أرابي)، التي كانت تصدر بالفرنسية ومن باريس موضوعاً ( شكل موضوع العدد) استند إلى لقاء مع الرئيس حافظ الأسد، بعد معاهدتي أوسلو ووادي عربة، اللتين جاءتا في خط معاهدة كامب ديفيد. وقد جاء في الموضوع قول للرئيس الراحل، بأن هذا النهج القائم على المعاهدات المنفردة المفرطة والاستسلامية، إنما يشكّل خطاً واضحاً يرتسم على ساحة الصراع العربي الإسرائيلي. وهو خط لا يمكن مواجهته إلا بخط موازٍ يمتد من طهران إلى بيروت.

يومها كان اللاعب الروسي قد أُخرِج من ساحة نظام عالمي جديد قوامه الأحادية الأميركية. ولم يكن لهذه الأحادية أن تترك سوريا ترسم خطاً مقاوِماً بهذا الامتداد. أياً تكن الوسائل والأساليب والأدوات.

اليوم ارتسم هذا الخط  بنجاح كلّف الكثير من الدماء والعذابات، ولكن بامتداد لم ينتهِ بإيران بل بروسيا، التي عادت إلى الساحة الدولية لترسم مع حلفائها، وعبْر الحرب العالمية في سوريا، نظاماً عالمياً جديداً. بناء على نظام إقليمي جديد رسمته النتائج العسكرية لهذه الحرب.

وبالمقارنة نحن اليوم أشبه بما نكون في المرحلة التي تلت نجاح إنزال النورماندي في الحرب العالمية الثانية، في مساعدة شارل ديغول على إنجاز التحرير من النازية.

غير أن المراحل النهائية في الحروب تكون أشدّها شراسة، وأكثرها انتقالاً من ساحة إلى أخرى  بحسب الإمكانات التي تضيق أو تتّسع وصلابة أو رخاوة الخاصِرة المقصودة. وكذلك تكون أكثر المراحل تمتيناً وتظهيراً للتحالفات، المُعلّن منها والمخفيّ.

بهذا تُفهَم الحملة الشرسة على لبنان ومقاومته والتي كادت أن تفضي إلى حرب بديلة عن الحرب السورية، أو بالأحرى حلقة جديدة منها، لولا الحكمة الهائلة التي تمتّع بها القادة اللبنانيون وفي مقدمهم قيادة المقاومة. وهنا تُفهَم أكثر عملية العودة إلى إثارة قضية حبيب الشرتوني، كواحدة من عمليات شيطنة جميع مكوّنات المقاومة قبل التصدّي مباشرة لحزب الله.

وبهذا تُفهَم تظاهرة الجامعة العربية  في القاهرة، كحشد دفاعي – هجومي، للمحور العربي- الإسرائيلي، في مواجهة المحور المقاوِم، بعد أن تم التمهيد لهذه الهجمة بعواصف رملية وأخاديد هائلة من إثارة الأحقاد المذهبية منذ 2003.

وبهذا يُفهَم لقاء الأسد – بوتين في سوتشي، والأهم حصول هذا اللقاء مع قيادة الجيش الروسي.

هل انتهى الأمر وما علينا إلا الاحتفال بالنصر؟

أن نحتفل أجل، وبنصرٍ تاريخي سيُغيّر وجه المنطقة والعالم. ولكن الأمر لم ينتهِ. فالقوى المُعادية لن تستسلم بهذه السهولة. انتصرنا على داعش ولكن داعش لم تكن سوى أداة لتحقيق  محطّات ومُخطّطات في استراتيجية الأميركي والإسرائيلي وعقد من عقود الباطن التي تكفّل بها السعودي والقطري. واذا كانت هذه الاستراتيجية قد فشلت في تحقيق واحد من أهم هذه المُخطّطات:  فَصْل العراق عن سوريا لمنع تشكّل المحور الذي تحدّث عنه حافظ الأسد، بل والمحور الجديد الذي استعاد روسيا. فإنها قد حقّقت أهدافاً كثيرة أخرى سنحتاج إلى عقود كي نمحو آثارها. ولن يبكي كل المُشغّلين على مُقاتلين مُتطرّفين صدّقوا أنهم سيقيمون دولة الخلافة، من أية جنسيات كانوا. فمن هو منهم خبرة وكفاءة وغال، تم نقله بالمروحيات إلى خدمة محطّات أخرى في الاستراتيجية نفسها، ومَن كان مُجرّد مقاتل مهووس مستعدّ للموت فقد تُرِك ليموت وقوداً لمعركة خسرت.

المهم أن هذه الاستراتيجية المعروفة بخلق ميليشيات موازية، لن تتوقّف. فهي توفّر على الأميركي والإسرائيلي خوض حروب مباشرة. بل تمكّنهما من شنّ حروب تُسمَّى بالحروب الصفرية، أي صفر خسائر مباشرة ( إن لم تربح كلياً)  ويكون على المُشغِّل تقديم خدمات لوجستية، استخباراتية، معلوماتية. أما الأسلحة فمعظمها تدفع ثمنه الأنظمة الخليجية. هي ليست شريكاً في الإستراتيجية مهما رقصت بالسيف، وإنما هي أداة تُشغّل أدوات، بالمال والرجال (دخل عنصر الرجال منذ حرب اليمن )، ثمناً للبقاء. من دون أن يُقلّل هذا من خطورة دورها.

من هنا دعم كل هؤلاء ميليشيات موازية للجيش السوري، وخرَّبوا الكثير، والآن وقد هُزِمَت داعش فسيسعون إلى تمكين بدائل عنها، من دون أن ننسى أن النُصرة ما تزال قائمة وهي أشدّ خطورة.

يبقى التركي . وضع خاص. هو أطلسي، لكنه عاش حلمه الأيديولوجي الخاص والمُزدوج: الأخوانية والعثمانية الجديدة، والآن فشل المشروعان. فوجد نفسه مُهدداً بالكردي الذي يُمثّل بدوره ميليشيا موازية، ولكن على أساس عِرقي، لا على أساس ديني – مذهبي. التركي يقف عند مفترق ولا يمكن الركون إلى سلوكيّاته وبراغماتيّته.

كل هذا فيما الولايات المتحدة تتصارع بين تيار حمائي يريد الحد من العولمة وتيار آخر يريد سياسة أخرى ، وعليه تتأرجح السياسات اللّهم إلا في ما يتعلّق بإسرائيل والفرصة التاريخية التي لن تتكرر لتصفية القضية الفلسطينية.

الأوروبيون لعبوا ورقتهم بقذارة فاقت الأميركي ، ولكنهم على ما يبدو يفوقونه براغماتية عندما يتعلّق المال بالمصالح الإقتصادية، وخاصة الطاقة التي كان الصراع عليها أساس الحرب على سوريا. وكان ردّ سوريا عليهم بلسان رئيسها: “سنتّجه شرقاً”.

هذا التوجّه شرقاً هو الرهان الجديد في النظام العالمي الجديد الذي رسمته سوريا بدعم شرقي. رهان لن تتخلّى فيه الولايات المتحدة وأوروبا عن الضغط لأجل الإبقاء على جزء من التوجّه غرباً، سواء في مشاريع إعادة الإعمار أو في خطوط الطاقة وإمداداتها أو في ما سيستجد من ثرواتها الغازية والنفطية. هذا الضغط، ستمارسه أميركا بواسطة  قوات “قسد”، وبواسطة قاعدتها في التنف لتهديد غرب الفرات، وبواسطة مَن توجّهه من التنظيمات المسلّحة، مباشرة أو بواسطة الدول الخليجية وإسرائيل، خاصة في الجنوب. كذلك أوروبا، فإنها لن تتخلّى عن ممارسة ضغوطها أيضاً، عبر منافذ، لعلّ أهمها استعادة فرنسا للبوابة اللبنانية بتدخّلها في عملية احتجاز الحريري ، وما كان يُضمَر وراء هذا الاحتجاز من تفجير لبناني. استعادة تذكّرنا بتدخّل ميتران في أزمة وعدوان 1982، كما تذكّرنا رحلة الحريري من باريس إلى مصر فبيروت بالمشروع  الفرنسي – المصري  لإخراج منظمة التحرير من لبنان. مع فارق جوهري أن حزب الله ليس منظمة لاجئة إلى لبنان وقادته – لحُسن حظّهم – لا يحملون إلاّ الجنسية اللبنانية. كذلك يذكّرنا الأمس القريب بمشروع ساركوزي: الاتحاد لأجل المتوسّط. وبردّ ساركوزي على رفض القذافي وبومدين له بسبب إسرائيل، بقوله: إسرائيل هي في قلب هذا الاتحاد. مشروع قد يستعيده ماكرون لاعتبارات كثيرة. وإذا كان خروج الرئيس الرهينة من الرياض لا يعني تحرّره،  فإننا لا ندري ماذا تحمل الأيام المقبلة على الساحة اللبنانية، وبالتالي الإقليمية في مرحلة عضّ الأصابع الأعنف، والتي جاءت زيارة الأسد لسوتشي لتسجّل مفصلاً جوهرياً فيها، يُعلن بداية مرحلة حلّ سياسي – اقتصادي سيكون مضمونه مادة صراع وضغوط وحرب لا تقلّ عن تلك العسكرية. وسيكون أمام سوري المنتصرة عسكرياً وسياسياً والمقبلة على مرحلة حراك اقتصادي كبير واستعادة موقع قيادة مركزي، أن تواجه  بانتصار في صميم الشعب يُعالج الأمراض التي شكَّلت مدخلاً للمؤامرة.