شريط الاخبار
الرئيسية / اراء / مشروع «تقسيم» سورية ينهار تحت أقدام الجيش العربي السوري

مشروع «تقسيم» سورية ينهار تحت أقدام الجيش العربي السوري

د.ابراهيم علوش

تحرير الجيش العربي السوري أربع قرى شرق نهر الفرات وهي (الجنينة- الجيعة- شمرة الحصان- حويقة المعيشية) يمثل تطوراً مهماً في المشهد السوري على عدة صعد، فهذه العملية تمثل أولاً رسالة سياسية بأنه ليس هناك من خطوط حمر «شرق الفرات» أو في غيره أمام الجيش العربي السوري والقوات الرديفة والحليفة في أي بقعة من بقاع سورية، وتمثل ثانياً مفاجأة تكتيكية ناجحة من المنظور العسكري في وقتٍ تركزت فيه توقعات المحللين على انتقال الجيش العربي السوري، بعد تأمين محيط دمشق وريفها شمالاً أو جنوباً، وتمثل ثالثاً، من الناحية العسكرية أيضاً، تأميناً لمحيط دير الزور من جهة شرق الفرات، وتمثل رابعاً، وهذا هو الأهم، اختراقاً مهماً لمشروع «تفكيك سورية» الذي اعتقد البعض أن الميليشيات الانفصالية المدعومة أمريكياً سوف يكون لها دور مهم فيه، وتمثل خامساً خطوة باتجاه حقول النفط والغاز شرق الفرات التي يعتقد الأمريكيون ووكلاؤهم بأنهم سوف يربِخون عليها.
ولا تزال الأنباء متضاربة حول العدوان الصاروخي الذي قيل أنه استهدف مواقع عسكرية في ريفي حماة وحلب في الساعة العاشرة والنصف من مساء الأحد الفائت، إلا إنه لو صح أنه قصفٌ انطلق من قواعد أمريكية مجاورة، فإنه يكون رداً على خطوة الجيش العربي السوري الأخيرة شرق الفرات، لا على انهيار جبهة «داعش» وإخوته في اليرموك والحجر الأسود فحسب، مع العلم أن التكفيريين كانوا قد طالبوا بالانتقال إلى جيوب «داعش» في دير الزور، وهو الأمر الذي رفضته الدولة السورية طبعاً، ولاسيما أن المظلة الأمريكية في المنطقة هي التي تحفر لتحقيق مشروع «التقسيم».
الأداة الرئيسة التي يحملها الأمريكيون لتمرير مشروع التقسيم هي الخطاب الطائفي والإثني، ودعم القوى التكفيرية والإرهابية والانفصالية، ومحاولة تمرير مشروع «الفيدرالية» الذي تحاول بعض المنظمات الدولية والغربية فرضه على سورية كـ«شرط» لتقديم مساعدات إعادة الإعمار، التي لم تطلبها سورية من تلك المنظمات الدولية والغربية أصلاً، لكن الأداة الميدانية المباشرة تبقى ما يسمى «قوات سورية الديموقراطية» التي تحتمي بقواعد عسكرية أمريكية في شمال سورية وشرقها، وتتمتع بالدعم الأمريكي والغربي، وتمارس سلوكاً انفصالياً وهي تتغطى بخطاب «شعوبي» يزعم الأممية من أجل محاولة فرض سلطة «فيدرالية» بديلة عن سلطة الدولة العربية السورية في المناطق التي تسيطر عليها، ونسبة كبيرة من هذه المناطق، ولاسيما في شرق سورية، التي لا يوجد فيها مكون كردي أصلاً، بل الكثير من النفط، وربما مسار محتمل لخط غاز.  ولا بد من التذكير هنا بأن المواطنين الأكراد في سورية هم بالأساس مهاجرون من تركيا، وقد استقبلتهم سورية، وساوتهم بمواطنيها، ومنحتهم جنسيتها، أما اللعب بقصة الانفصال فسوف يواجه مصيراً محتوماً كالمصير الذي واجهه في شمال العراق، والأمريكيون والصهاينة الذين دفعوا باتجاه الانفصال في شمال العراق هم أنفسهم من يدفعون باتجاهه في سورية، ولعل الدرس الذي يجدر تعلمه هنا هو أن الأمريكيين والصهاينة يحاولون  زج الإخوة الأكراد في أتون صراع أهلي نحن وهم بغنى عنه، والأمريكيون والصهاينة سيكونون أول من يتخلى عن الأكراد عندما يحتدم الصراع لا سمح الله، ولذلك فإن مصلحة الأكراد والعرب تتمثل بالتفاهم على قاعدة المواطنة، وعلى قاعدة مواجهة مشروع التمدد العثماني الذي يهضم حقوق العرب والأكراد وغيرهم على حدٍ سواء.
ولا يختلف الأمر كثيراً لو جاء استهداف المواقع السورية والحليفة من قبل العدو الصهيوني عما لو جاء من الإمبريالية الأمريكية، سوى أن الصهاينة أكثر توتراً من انتصارات الجيش العربي السوري، ومشروع «تقسيم» سورية هو جزء من المشروع الصهيوني لتقسيم البلدان العربية، ولاسيما المركزية منها،  الذي برزت أبعاده في عدد من الوثائق المعروفة مثل وثيقة كيفونيم عام 1982، ووثيقة كارينجا في الخمسينيات، كما أن التاريخ الاستعماري الفرنسي والبريطاني في بلادنا منذ القرن التاسع عشر يقوم على مبدأ مركزي هو منع وحدة المنطقة والسعي لتكريس تقسيمها، من العدوان الاستعماري على تجربة محمد علي باشا الوحدوية عام 1840 حتى اتفاقية سايكس-بيكو عام 1916، وبعد أن ورثت الإمبريالية الأمريكية مشروع الهيمنة على وطننا العربي، صار مشروع التقسيم مشروعاً أمريكياً-صهيونياً أساساً، ومن هنا نفهم «دستور نوح فلدمان» بعد غزو العراق واحتلاله عام 2003، وتكريس مشاريع الفيدرالية القائمة على التوازنات الطائفية والإثنية غير المستقرة بطبيعتها.  ومن هنا نفهم الضغط الأمريكي والصهيوني لتقسيم السودان الذي تكرّس عام 2011،  والأهم، أن مشاريع التقسيم تمرّ دوماً من مرحلة تكسير الدولة المركزية وتفكيكها من الخارج أو الداخل أو من الاثنين معاً، كما حدث في الصومال وفي العراق وفي ليبيا، وحتى في يوغوسلافيا السابقة، ما يهيئ الأرضية لتقسيم البلاد، ولا شك في أن الطرف الأمريكي-الصهيوني عمل على «إضعاف الدولة المركزية في سورية وتفكيكها» قبل آذار 2011 بأمدٍ بعيد كما تشهد مثلاً وثائق «ويكيليكس» المسربة من السفارة الأمريكية في دمشق والتي كتبت عام 2006، وغيرها كثير.
لذلك فإن مشروع «تقسيم» سورية هو مشروعٌ قديمٌ، لأن تفكيك سورية والعراق ومصر هو وحده ما يحقق الأمن الاستراتيجي للكيان الصهيوني، ويخفض فرص قيام نزعة وحدوية في الوطن العربي، وبعد العدوان على العراق، والعدوان على ليبيا، وقفت سورية في مواجهة مشروع تقسيمها، وتفكيك دولتها المركزية وشطبها، وقفةً أقل ما يمكن أن يقال فيها هو إنها بطوليةٌ، وإنها وقفة دفاع عن كل الإقليم، لا عن نفسها فحسب، وتمكنت بالتعاون مع حلفائها من قلب ميزان القوى لمصلحتها في مواجهة العصابات التكفيرية والإرهابية المدعومة من الإمبريالية والصهيونية والرجعية العربية والتركية، كما تمكنت من استعادة السيطرة على الكثير من المواضع التي كانت قد احتلتها تلك العصابات، ولا يزال سيل الانتصارات السورية يتدفق، ولن يتوقف حتى استعادة السيطرة على كل شبر من الجغرافيا السورية، لكن مشروع التقسيم لا يزال ماثلاً، لا فيما يتعلق بسورية فحسب، بل بكل الأقطار العربية، ومن الواضح في الحالة السورية تحديداً أن الطرف الأمريكي، والطرف الصهيوني، والطرف التركي، لا يزال كل منهم يسعى لإطالة أمد الحرب، في مسعى لاستنزاف الدولة المركزية وجيشها، لوضع اليد على النفط في شرق البلاد بالنسبة للأمريكيين، ولتأسيس «منطقة عازلة» جنوب البلاد بالنسبة للصهاينة، ولقضم أجزاء من شمال البلاد بالنسبة للأتراك، وتلك الأطراف الثلاثة قوى كبيرة لا نستطيع الاستهانة بها، ولكن إرادة سورية وحلفائها أثبتت أنها أكبر، وأثبتت أن سورية ليست لقمة سائغة، وأنها عصية على التفكيك، لذلك فإن معركة الدفاع عن وحدة سورية في وجه مشاريع التقسيم سوف تستمر، حتى دحر تلك المشاريع، وقد دخلت الأطراف الثلاثة المذكورة على خط الصراع مباشرةً بعد فشل الوكلاء الإرهابيين والتكفيريين، لكنَّ كلاً منها بات يعرف أنه أمام معادلة صعبة، وقوة ردع حقيقية، سورّيةً وحليفةً، أثبتت نفسها في الميدان، ونستطيع أن نقول في الخلاصة: إن مشروع التقسيم لا يزال هناك من يرعاه ويسعى لتحقيقه، ولكنه عجز عن تحقيق أهدافه، وواجه جداراً صلباً اسمه الصمود السوري، وما يتبقى من عمر الحرب على سورية سيثبت أنه سيفشل وسيرتد إلى نحر رعاته تحت «بساطير» الجيش العربي السوري والقوات الحليفة والرديفة.  وكما قال السيد الرئيس بشار الأسد في استقباله لوفدٍ إيراني الإثنين الفائت: ما نشهده من تصعيد للعدوان على سورية وانتقال الدول المعادية إلى مرحلة العدوان المباشر بعد الفشل الذريع الذي مني به عملاؤها وأدواتها، لن يزيد السوريين إلا تصميماً على القضاء على الإرهاب بمختلف أشكاله.