شريط الاخبار
الرئيسية / اراء / ملامحُ ثورة فرنسية… بالأصفر

ملامحُ ثورة فرنسية… بالأصفر

فيصل جلول

يُمكن تلخيص المشهد في فرنسا هذه الأيام على الشكل التالي: حركة شعبية مُحمَّلة بغضبٍ ويأسٍ مُتراكِم وشعور عميق بالظلم. حركة شعبية تقف عموماً خارج أجهزة النظام الموالية والمعارضة معاً. حركة شعبية تتعرَّض لوسائل قمع خطيرة وفعَّالة في الشارع لكنها لا تغادره وتبقى ثابتة بل تكبر صفوفها. حركة شعبية يشترك فيها جنباً إلى جنب ستّينيون وسبّعينيون مُتقاعدون وشبّان على مقاعد الدراسة أو أنهم بالكاد بدأوا حياتهم  المهنية، نساء ورجالاً. حركة تضمّ ريفيين في الغالب وسكان الضواحي المُهمّشة وعاطلين عن العمل وسائر ضحايا الجشَع الرأسمالي. حركة شعبية قال عنها الحزب الحاكِم إنها أشبه ب “نار القشّ” لا يدوم ولا يخلّف أثراً عميقاً. حركة امتدّت بسرعةٍ قياسيةٍ إلى المُقاطعات الفرنسية إلى ما وراء البحار وبخاصةٍ جزيرة “لا رييونيون” التي شهدت حوالى أربعين حاجزاً للصدّ نصبها المُتظاهرون الأمر الذي اضطر محافظ المدينة إلى إعلان حال الطواريء في عددٍ من أحيائها وهذا الإجراء هو الأول من نوعه في تاريخها. حركة شعبية يبدو اليمين المُتطرِّف واليسار الراديكالي بالقياس إليها في غاية الاعتدال. حركة شعبية لا تتراجع أبداً وتكبُر باطّراد. بدأت قبل أسابيع بمطلب إلغاء الضرائب الجديدة على المحروقات ، ووصلت اليوم إلى دعوة رئيس الجمهورية إلى الاستقالة مروراً بحلّ الجمعية الوطنية وإصلاح النظام السياسي أو تغييره.

حركة شعبية تصدر عنها أعمال تكسير وتحطيم واجهات المحال التجارية الفخمة ، وحَرْق سيارات والتصدّي لعناصر الشرطة بكل الوسائل المُتاحة ، وخَلْق فوضى واضطراب في الشوارع ورغم ذلك لا يُدينها الرأي العام ، إذ تفيد استطلاعات الرأي أن ما يزيد عن 80 بالمئة من الفرنسيين يؤيّدون هذه الحركة غير عابئين بالأعمال المُخلّة المنسوبة إليها. وعندما تحاول الحكومة تنسيب التمرّد إلى “الجبهة الوطنية” اليمنية المُتطرِفة وإلى تنظيم فرنسا الأبيّة اليساري الراديكالي، لا يصدم هذا التنسيب الرأي العام ولا يخفّف من نسبة المؤيّدين للحركة. بالمقابل تُسجِّل الاستطلاعات نفسها تراجُعاً كبيراً في شعبية رئيس الجمهورية الذي فَقَدَ منذ أيامٍ 4 بالمئة من نسبة المؤيّدين التي هبطت إلى 20 بالمئة وهي مُرشَّحة للهبوط إذا ما ثابرَ ماكرون على الاعتقاد بأن ما يدور في بلاده هو “فورة” شعبية سرعان ما ينفرط عقدها وليس ” ثورة” جنينية مُرشَّحة للتطوّر بسرعة البرق.

هذه باختصار شديد وربما مُخِلّ، بعض عناصر المشهد “الثوري” إن جاز التعبير، في الشوارع الفرنسية هذه الأيام. وأصِفُ المَشهدَ ب”الثوري” لأنه يَسيرُ على رسم مشاهد شهيرة في تاريخ الحركات السياسية والمطلبية الفرنسية التي غالباً ما تتكوّن حول غَضَبٍ عارمٍ، وردّ فعل ساخِط، على إجراء اتّخذته السلطة التنفيذية التي تُصِرُّ على عنادها فتحمل المُحتجّين على نَصْب الحواجز في الشوارع وقَطْع الطُرقات ومن ثم التمرّد العام وصولاً إلى الثورة الشاملة.

المشهد الفرنسي يتموضع حول الثنائية التالية: حركة شعبية لا يتحكَّم بها إلا أصحابها وتصدر عنها أعمال تكسير وتحطيم وتعرّض للرموز العامة. تقف بمواجهتها سلطة تنفيذية تظنّ أن الأمر لا يعدو كونه غضباً عابِراً سُرعان ما يخضع للسيطرة الحكومية. هذا التقدير تعكسه تصريحات رئيس الجمهورية الأخيرة التي ردَّ فيها على مُطالبة المُتظاهرين باستقالته عبر تشكيل لجنة لدراسة الحال الراهنة وتقديم حلول لها خلال ثلاثة أشهر، في حين تتّهم حكومته قادة الحركة بالوقوع تحت تأثير اليمين واليسار المُتطرّف.

يروي مؤيّدو الرئيس إيمانويل ماكرون أنه يتقمَّص شخصيات فرنسية عظيمة لعبت أدواراً تاريخية في فرنسا. من بينها نابليون بونابرت والجنرال شارل ديغول، هذا إذا ما أردنا أن نغضّ الطّرف عن مُقارنته بكوكب “المشتري” المعروف بجبروته وبوصفه إله السماء والبرق عند الرومان القدماء. ولعلّ من سوء حظّ الرئيس أن الجنرال ديغول واجه انتفاضة أيار ــــــ مايو عام 1968 بالطريقة نفسها التي يواجه فيها ماكرون انتفاضة المُتقاعدين والمُهمّشين وأقساماً واسعة من الطبقة البرجوازية الصغيرة: سوء تقدير لمضمون الحركة وزُخمها وتصميم أصحابها على الذهاب نحو الأقاصي. الرهان على الوقت لتجويفها من الحماس والإندفاع ومن ثم تلاشيها. تأخّر في اتّخاذ الإجراءات المُناسبة. محاولة شيطنتها عبر تنسيبها إلى التيارات المُتطرّفة. تشكيل لجان للدراسة تكرّر جملاً وعبارات للتضليل والتعمية وتنتهي إلى لا شيء أو إلى إجراءات وقرارات غالباً ما تستقرّ في الأدراج.

الذهاب في المُقارنة إلى حدِّها الأقصى يعني أن مصير الأول سيكون كمصير الثاني مع فارقٍ كبيرٍ أن ديغول لعب أدواراً وطنية في تاريخ بلاده تتعدَّى بقيمتها وأهمّيتها مواجهات أيارــــــ مايو للعام 1968. وبالتالي كان بوسعه الاستناد إلى تاريخه الشخصي للخروج كبيراً من قصر الأليزيه في حين يبدو الرئيس ماكرون بلا ماضٍ عابرٍ للعقود. بالكاد كان معروفاً منذ سنتين وما كان أحد يُراهن على رئاسته قبل شهور من انتخابه، ناهيك عن أنه يُصِرُّ بطريقةٍ غير مفهومةٍ على التصرّف وكأن كل شيء يدور على مايُرام، ما يُذكِّرنا بأغنيةٍ من ثلاثينات القرن الماضي تدور حول مُحادثة هاتفية بين سيّدة من النبلاء ومدير مكتبها لاستطلاع أحوال منزلها من بعيد فيردّ مدير المكتب بعبارة ” كل شيء يتمّ على ما يُرام يا سيّدتي المركيزة. رغم موت فرسك والحريق الذي وصل إلى الإصطبل والذي أتى على القصر وقد مات زوجك حرقاً عندما سقط على شمعدان انتشرت بعده النار في كل مكان. لكن رغم ذلك كل شيء على ما يُرام يا سيّدتي الماركيزة”.

لا يا سيّدتي الماركيزة. ليست الأمور على ما يُرام في فرنسا هذه الأيام. لا يا سيّدتي الماركيزة ليست انتفاضة كبار وصغار ومتوسّطي الأعمار المُتضرِّرين من الحُكم شعلة من “نار القشّ” بل هي ” وميض نار يوشِك أن يكون لها ضرام ” على ما يقول الشاعر نصر بن سيار الذي تنبّأ بانهيار الدولة الأموية عشيّة التحرّكات التي استهدفتها.

لا سيّدتي الماركيزة ما يدور في فرنسا اليوم هو تعبير عن أزمة حُكم بدأها الرئيس ماكرون في غرّة ولايته عندما ألغى الضريبة على الثروات الكبيرة ويواصلها بضريبة المحروقات التي طالت عامة الناس. لا سيّدتي الماركيزة لا يدور كل شيء على مايُرام في فرنسا في هذه اللحظات ، فنحن على عَتَبة حدث كبير يُشبه بدايات الثورة البورجوازية في القرن الثامن عشر حين أصرَّ الملك على فرض ضرائب على عامة الناس الذين ضاقوا ذَرعاً بها وأدّت إلى قلب الملكية.

قد يكون الرئيس ماكرون على تواصل مع كوكب المشتري ومنه يستمد إيحاءاته، لكن ما يحتاجه في مواجهة ثورة اللون الأصفر هو النزول من “المشتري” إلى كوكب الأرض والعمل بنصحية جان لوك ميلونشون، زعيم فرنسا الأبيّة، الذي اعتدل إلى الحدّ الأقصى ونصحَ الرئيس باتّخاذ

إجراءات فاصِلة من نوع إلغاء ضريبة المحروقات والعودة إلى الضريبة على الثروات الكبرى تمهيداً لإصلاحاتٍ جذرية.

وحدهم الذين يعرفون تاريخ فرنسا يُدركون خطورة الثورة المطلبية باللون الأصفر التي تدور على مقربة من الساحة التي شهدت سقوط الملكية وعلى بُعد أقل من كلم من قصر “الأليزيه” الذي غادره الجنرال ديغول تحت وطأة ثورة أخرى.