شريط الاخبار
الرئيسية / اراء / وقع نتنياهو في شرّ أعماله …خطأ صهيوني قاتِل في أجواء اللاذقية

وقع نتنياهو في شرّ أعماله …خطأ صهيوني قاتِل في أجواء اللاذقية

الوحدة الاخبارية..

الشرط الأهم الذي يرى الغربيون وجوب الالتزام به هو تغيير الاستراتيجية السورية إزاء “إسرائيل”، أي خروجها من محور الممانعة والمقاومة وابتعادها عن حزب الله وإيران.

وقع نتنياهو في اللاذقية في شرّ أعماله بعد سقوط الطائرة الروسية

كيف تخرج سوريا من الحرب الدولية التي شُنّت عليها وبأية شروط؟ أجاب عن هذا السؤال قادة أوروبا والولايات المتحدة الأميركية بالقول كل بأسلوبه: لقد هُزِمنا في الحرب لكننا لن نُهزَم في فرض شروط السلام عبر أوراق إعادة الإعمار وعودة اللاجئين وإعادة دمج سوريا في الأسواق الدولية والمنظمات والمؤسّسات التي نتمتع فيها بحق الفيتو.
إن الشرط الأهم الذي يرى الغربيون وجوب الالتزام به هو تغيير الاستراتيجية السورية إزاء “إسرائيل”، أي خروجها من محور الممانعة والمقاومة وابتعادها عن حزب الله وإيران. بكلام آخر يريد الغربيون مواصلة الحرب على سوريا بوسائل اقتصادية ودبلوماسية وإنسانية لتحقيق الهدف الذي لم يتمكنوا من تحقيقه بواسطة الحرب. هذا التوجه الغربي بات واضحاً لمَن يتابع عن كثب الملف السوري.
لا يمكن لسوريا التي ربحت الحرب بشروط المقاومة والممانعة أن تخرج منها بشروط المهزومين، وبالتالي سيكون عليها أن تواصل مقاومتها للإذعان الغربي عبر خيارات لإعادة الإعمار ولعودة النازحين وللاندماج الإقليمي والدولي، متناسبة مع انتصارها في الحرب مع محورها الذي يمتد من حزب الله إلى الصين. ولا أذكر بكين بخفة، فقد استثمرت في صمود سوريا لأن هزيمتها كان يمكن أن تشكّل انتصاراً لدواعش ومتطرفي الـ “إيغور” الذين يعيشون في محيط إسلامي صيني يقارب العشرين مليون نسمة.

إن خروج سوريا بشروط المقاومة والممانعة من حرب دولية كادت تحوّلها إلى”أيادي سبأ” هو بمثابة كابوس ما بعده كابوس بالنسبة للدولة العبرية التي تكاد “لقمة” الانتصار على كل العرب تخرج من فمها.
لقد أخرجت القدس من دائرة التفاوض مع الفلسطينيين بضغط أميركي، وتودع الآن مشروع الدولتين إلى أجل غير مسمّى. ونجحتْ في تحقيق اختراقات مهمة في الخليج، وما عادت الجامعة العربية تُصدر بيانات ضدها، بعد أن ساعدها ما يُسمّى بـ”الربيع العربي” في تحطيم دول عربية مناهضة لها بقوة.
ها هي “إسرائيل” ترى بأم العين أنقاض اليمن الذي شارك في كل الحروب ضدها، وانخرط عشرات الآلاف من أبنائه في المقاومة الفلسطينية وفرض رئيسه السابق سالم ربيع علي حصاراً على البواخر الإسرائيلية في باب المندب خلال حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973.
وهي ترى بأم العين أنقاض ليبيا التي كانت مصدراً أساسياً من مصادر تمويل ودعم حركات المقاومة بكل الوسائل. وهي ترى معظم الحركات الإسلامية التي كانت ترفع شعار “خيبر خيبر يا يهود جيش محمّد سوف يعود”، وقد وجّهت بنادقها وشبّانها لنحر دمشق المقاومة والممانعة. وهي ترى مصر مقيدة بصراعاتها الداخلية ومحيّدة بلا سياسة خارجية تُذكر، وترى الجزائر المنهكة بعشرية سوداء كانت المقدمة الأولى لـ”ربيع الزفت”. وهي ترى أيضاً دولاً خليجية تبحث عن حلف وترسم خططاً لمستقبل مشترك معها. وترى “إسرائيل” بأم العين السودان، عملاق إفريقيا العربي، مكبّلاً برئيسه الذي تخلّى عن الجنوب كي يحفظ حُكمه، فإذا به يسقط في دارفور ويُحاصَر بمحكمةٍ دولية، تؤجّل ملاحقته ما دام يُرسِل جنوداً لقتال فقراء اليمن ويؤجّر جزر بلاده في البحر الأحمر لمَن طَلب.

كانت “إسرائيل” تراهن على هزيمة سوريا في الحرب، حتى تكون مركزاً لمحور مركزي في الشرق الأوسط، فتطوي صفحة القضية الفلسطينية إلى الأبد وتُنجز ما يُسمّيه الغربيون “استيطاناً ناجحاً” على غرار الاستيطان الأميركي. إلا أن الرياح السورية هبّت باتجاه آخر، وفشل نتنياهو الذي زار موسكو في السنوات الأخيرة أكثر من زياراته لواشنطن، فشل في حمل الروس على إخراج سوريا من محور المقاومة والممانعة وحصر علاقاتها بموسكو بعيداً عن طهران وبيروت وغزّة “يحيى السنوار”.
لم يفقد نتنياهو الأمل في إعادة خلط الأوراق في سوريا. لعب دائماً على حافّة الهاوية، علّه يستدرج واشنطن أوباما أولاً وترامب ثانياً إلى شنّ حربٍ مباشرة عليها، على غرار حرب العراق. لقد مارس لهذه الغاية الاستفزاز تلو الاستفزاز لاستدراج ردّ سوري أو إيراني مُدمّر، تعجز روسيا عن تبريره ولا تسطيع الدول الغربية تجاهله من دون رد صاعق، يستدعي رداً ومن ثم يتسع حقل المعركة ليشمل المنطقة بأسرها وتخرج منها سوريا محتلة ومفتتة ومدمّرة ومعها لبنان ومن بعد قطاع غزة.
يمكن إدراج آخر ألعاب نتنياهو في اللاذقية في هذا الاتجاه، فقد أراد أن يقول لـ “ترامب” وللغربيين، لماذا تتردّدون؟ ها أنا ألعب في عرين الأسد وعلى مقربة من قاعدة حميميم من دون ردّ روسي؟ لماذا تتخلون عن آخر أوراق الحرب في إدلب ؟ لماذا لا توظفون 30 ألف مقاتل جهادي وأجنبي في مبادرة جديدة تُضعِفُ الروس ومحور المقاومة وتطيل أمد الحرب سنوات أخرى إلى الأمام؟
لقد وقع نتنياهو في اللاذقية في شرّ أعماله بعد سقوط الطائرة الروسية، إذ وضع الروس أمام معادلة جديدة: الدفاع عن أنفسهم وعن مشروعهم في سوريا بقواعد جديدة، وبوسائل فعالة، وهذا يمر بمنع تحليق الطيران الحربي الإسرائيلي في الأجواء السورية، وبخاصة في العمق السوري، وربما تحجيم هذا التدخل وحصره في مناطق قريبة من الحدود، وخفض التنسيق الأمني والتبادل الاستخباراتي بين الطرفين، وتزويد سوريا بوسائل فعالة أكثر لحماية أجوائها من الانتهاكات الإسرائيلية.
قبل سقوط الطائرة الروسية في اللاذقية، كانت تحركات نتنياهو تتيح للروس المناورة بين إسرائيل وإيران، بشرط ألا تذهب إسرائيل بعيداً وألا تصل في استفزازاتها إلى حد إهانة روسيا بالطريقة التي تمّت في أجواء اللاذقية.
قد لا يتأخر الوقت حتى يستنتج رئيس الوزراء “الإسرائيلي”، أنه ساعد، بغير قصد، الروس والأتراك في تسوية ملف إدلب، بما يتيح طي الفصل الأخير في الحرب على سوريا بالمفاوضات وبحسابات المصالح الخاصة للمعنيين في تلك المنطقة والتي لا تتناقض أبداً مع المصالح السورية والروسية، وبما يتيح أيضاً قطع كل الطرق على “سيناريوهات الكيماوي” الغربية ومشتقاتها.
ما من شك في أن الطيران الحربي قد لعب دوراً شديد الأهمية في الحرب السورية على كل صعيد، لكن مؤرّخي المستقبل سيتوقفون ملياً أمام منعطفين جويين: الأول تمثل في ضرب الأتراك طائرة حربية روسية في الأجواء السورية فترتب على ذلك تعزيز مسار أستانة. والثاني وقع للتو في اللاذقية عبر إسقاط الطائرة الروسية وقد يؤدي إلى تحجيم التدخل الإسرائيلي في الأزمة السورية إلى الحد الأدنى ويحصره في المناطق الحدودية. بل ربما يفتح صفحة جديدة تماماً في الصراع مع الدولة العبرية إذا ما أخذنا بعين الاعتبار حديث الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصرالله ( 19 ـــــ 8 ـــــ 2018 ) بأن الوقت قد حان لمجابهة الدولة العبرية في الجو أي في مركز تفوقها الأخير.

فيصل جلول